افتخارا ، فكان أسلوب التهديد له من بعد ذلك : (أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى) (٣٥) بمعنى الويل لك ، فهذه أربعة تهديدات تناسب خصال أبى جهل الأربع : (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) (٣٢) فترك التصديق خصلة ، والتكذيب خصلة ، وترك الصلاة خصلة ، والتولّى عن الله خصلة ، فجاء الوعيد أربعة مقابلة لترك الخصال الأربع ، وفى ذلك روعة هندسية معمارية فى بناء السورة ؛ ثم يجيء الاستفهام الإنكارى بغرض التوبيخ : (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) (٣٦) ، وهو الثانى بهذه الطريقة البلاغية ، وفيه الردّ على الوجوديين والعبثيين والعدميين والفوضويين ، فهل يخلى الإنسان بلا مسئوليات ولا واجبات ولا فروض؟ وهل يكون وجوده للاشيء؟ وهل هو غير مسئول فلا ينهى عن رذيلة ، ولا يؤثّم إذا أتى بذنب ، بدعوى أنه حرّ يضع لنفسه ما يشاء من القيم؟ كقول القائل فى إبله : إنها سدى ، أى مسيّبة ترعى بلا راع ؛ فهل الإنسان بلا راع ، وهل هو مخلوق بلا خالق؟ وهل إذا مات ترك فى قبره لا يبعث؟ أو لن يحاسب عمّا اقترف؟ وتذكّره الآيات بأطواره ، فلقد كان لا شىء يذكر ، وكان مجرد نقطة منى ، فصار نطفة ، ثم علقة ، وتمّت خلقته ، واعتدل وتميّز ذكرا أو أنثى ، فمن كان وراء كل ذلك؟ ومن خلق القوانين التى دفعت إلى ذلك؟ (أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى) (٤٠) ، يعنى يحييها بعد البلى ، ولمّا سمع الرسول صلىاللهعليهوسلم هذا الاستفهام الإنكارى قال : «سبحانك اللهم ، وبلى» ، فكل من يقرأ سورة القيامة إلى آخرها صار يقول : «سبحانك اللهم ، بلى». فالحمد لله ربّ العالمين على منّة الإسلام والقرآن.
* * *
٦٥٨. سورة الإنسان
آيات هذه السورة إحدى وثلاثون ، وترتيبها فى المصحف السادسة والسبعون ، وفى التنزيل الثانية عشرة ، وكان نزولها بعد الرحمن ، والجمهور على أن مقدمة السورة مدنية ، ومن قوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً) (٢٣) حتى الآية الواحدة والثلاثين وهى نهاية السورة ، فمكية ، فالتنزيل لم يبدأ إلا فى مكة ، إلا أن الآيات من أمثال : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً) (١١) فمدنية ، لأنها تتحدث عن الأسر ، وهناك أسر فى مكة ، فالأسر كان فقط فى المدينة ؛ وقيل : هذه الآيات نزلت فيمن بأسرى بدر ، وهم سبعة من المهاجرين : أبو بكر ، وعمر ، وعلىّ ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد ، وأبو عبيدة ، وقيل نزلت فى مطعم بن ورقاء الأنصارى ، واسمه مطعم على مسمّى ، فقد أطعم فى يوم واحد مسكينا ويتيما وأسيرا ، فقد جاء النبىّ صلىاللهعليهوسلم رجل يسأله الطعام ويقول إنه مجهد ، فقال له النبىّ صلىاللهعليهوسلم : «والذى نفسى بيده ، ما عندى ما أطعمك» ، فأخذه مطعم الأنصارى إلى بيته ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
