فوجوههم ناضرة ومشرقة ، وإلى ربّها ناظرة ، والنظر إليه تعالى لا يكون بالبصر ، فهو تعالى : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ) (الأنعام ١٠٣) ، وإنما النظر هو الانتظار ، تقول : نظرته ، أى انتظرته ؛ فإذا أردت به التفكير والتدبّر تقول : نظرت فيه ، وقد غلط من فسّر النظر بأنه الإبصار فى الحديث : «إنكم سترون ربّكم عيانا كما ترون هذا القمر ، لا تضامون فى رؤيته» ، وقال صلىاللهعليهوسلم : «أليس كلكم يرى القمر»؟ وأجاب : «فالله أعظم ، فإنما هو خلق من خلق الله ـ يعنى القمر ـ فالله أجلّ وأعظم» أخرجه أبو داود. وعند النسائى قال : «فيكشف الحجاب فينظرون إليه» ، وعن جابر قال : «يتجلّى ربّنا عزوجل حتى ينظروا إلى وجهه» ، وفى هذه الأحاديث جميعا فإن النظر فى نطاق : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ) ، بمعنى ينظرون إليه لا تحيط أبصارهم به من عظمته ، ونظره تعالى يحيط بهم وذلك شىء من الغيب يتجاوز خبراتنا ومداركنا. ونعود إلى مشاهد يومىّ الموت والقيامة ، يمزج بينهما ، لأن من يريد أن يعرف إمكان البعث فإن عليه أن يتدبّر الموت ، فمثل ما كنا عدما فأحيانا ثم أماتنا ، فهو تعالى قادر على أن يبعثنا. ومن مشاهد الموت أن النفس تبلغ فيها التراقى : (كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ) (٣٠) ، كقوله : (إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ) (٨٣) ، والتراقى أعلى الصدر ومقدم الحلق وموضع الحشرجة ، وقوله : «كلا» أسلوب قرآنى فيه التنبيه ، وتفصل «كلا» بين المشاهد ، والمشهد كله معجز ، وتجرى العبارات تصويرا لحوار متخيّل بين الحاضرين للموت ، فيتساءلون : هل من طبيب يراه ويرقيه لعله يشفى؟ فلما استيأسوا منه وأصابه اليأس من حالته ، عندئذ يعلم أنه الموت ، فإذا عاينه التفت الساق بالساق ، أى تخاذلت أعضاؤه على بعضها ، أو أنها التفت قيل ذلك وفيه بعض الرمق ، وقد أخذت الرهبة منه كل مأخذ ؛ أو أن الساق هى الشدّة ، كقول القائل : «قامت الدنيا أو الحرب على ساق» ؛ وفى الموت تجتمع على الإنسان شدّة كرب الموت ، مع شدّة هول المطلع ، وتتابع عليه الشدائد ، فأهله يجهّزون جسده ، والملائكة يجهّزون روحه ، فذلك هو التفاف الساق بالساق ، أو أن الساق الأولى ، أى الكرب الأول ، هى حشرجة الموت ، والساق الثانية هى الكروب عند البعث وشدائده ، وفى كل الأحوال فرجوعه إلى الله يساق إليه سوقا. قيل : وهذا كله هو فى أحوال أبى جهل : (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) (٣٢) ، فهو لم يصدق الرسالة ، ولم يصلّ ، وكذّب بالقرآن ، وتولّى عن الإيمان. واستخدام «لا» فى قوله : (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى) بمعنى «لم» يصدق ولم يصلّ. وأعطت «لا» للعبارات نكهة خاصة من البيان ، والعطف فى : (وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) أكد المعنى. ثم انظر إلى بقية السورة فى قوله : (ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى) (٣٣) أى فلمّا كابر انصرف متباهيا يتبختر
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
