نفعل كالأمم السابقة ، الذين كفروا فذاقوا وبال أمرهم ، وكانت تأتيهم رسلهم بالبينات فتولوا عنهم بدعوى أنهم بشر مثلهم ، فاستغنى الله ، وهو الغنى الحميد. وتدعو السورة الناس إلى الإيمان بالله ورسوله ، وبما مع الرسول صلىاللهعليهوسلم من النور وهو القرآن ، وتحذّر من يوم الجمع ، أى يوم القيامة ، يوم يجمع الذين كفروا والذين آمنوا للحساب ، وتبشّر من يطيع الله ورسوله ، وتحدد مهمة الرسول : أنها البلاغ المبين ، أى الدعوة إلى الله الواحد الذى لا إله إلا هو ، العليم القدير ، ما نصاب من مصيبة إلا بإذنه ، والأحرى بنا إذن أن نتوكل عليه ، فذلك هو الإيمان الحق. وتلفت السورة انتباهنا إلى أن بعض أهلينا وأولادنا قد يخوّفانا أن نجاهد فى سبيل الله ، وقد نحذر الإنفاق فى سبيله مخافة عليهم من الفقر ، وتحذرنا أن الأموال والأولاد فتنة ، والأحرى بنا أن نتقى الله ما استطعنا ، وأن نطيع ، وأن ننفق خيرا لأنفسنا ، وتسمّى السورة الإنفاق فى سبيل الله «قرضا حسنا» ، نقرضه الله خيرا لأنفسنا ، فالشحّ مهلكة ، وما نفعله من خير أو سوء يشهده الله ، عالم الغيب والشهادة الذى لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء ، ولا فى أنفسنا. والخطاب فى الآية : (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) (٧) للنبىّ صلىاللهعليهوسلم ، وهذه الآية تلخص السورة جميعها ، وتشرح الهدف منها ، وهى ردّ على مزاعم الزاعمين المنكرين للبعث ، يعلّمه الله تعالى لرسوله صلىاللهعليهوسلم ولأمّة الإسلام من بعده ، ومن ثم كان اسم السورة «التغابن» لأنها بكاملها شرح لحجته تعالى ، بأن البعث حقّ. و «الزعم» هو القول بالظن ، ولكل شىء كنية ، وكنية الكذب «زعموا» ، قيل : نزلت فى العاص بن وائل السهمى مع خبّاب ، فكان لخبّاب دين على العاص فأراد أن يتقاضاه ، فسخر منه العاص أن سيعطيه إياه فى الآخرة ، وقول العاص كقول الكفار ، والسورة ردّ عليهم تلخصه هذه الآية : (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا).
وتتضمن السورة آيات من البيان والبلاغة ، كما فى السؤال التقريرى : (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٥) ، وكما فى الاستخدام الجميل لكلمة (ذلِكَ) فى قوله : (ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (٦) ؛ الكثير من الحكم والأقوال المأثورة ، كما فى قوله : (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) (١١) ، وقوله : (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١٣) ؛ وقوله : (إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (١٤) ؛ وقوله : (إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) (١٥) ؛ وقوله : (إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ) (١٧).
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
