لهم أن ينسوا كما نسى اليهود ، فلمّا حمّلوا التوراة لم يعملوا بها لأنهم لم يفقهوها ، وكانوا كالحمار يحمل كتبا على ظهره ولا يعرف ما فيها ولا يفهمها ، وتعلّل اليهود بأنهم أبناء الله وأولياؤه ، وأنهم الصفوة التى اختارها لعبادته فاختصّوه بالتوحيد ، واختصهم بالعبودية ، فلو كانوا أحباب الله لتمنّوا الموت لتكون لهم الجنة وهى خير من الأرض ، ولكنهم لا يتمنونها أبدا لأنهم يعرفون أنهم ظالمون ، ولقد ظنوا أن ربّهم يرضى عنهم لو جعلوا السبت عيدا لهم ، يستريحون فيه ويتبطّلون عن كل عمل ، لأنه ـ بدعواهم ـ هو يوم الله ، فلقد عمل ستة أيام خلق فيها العالم ، فلما انتهى منه استراح فى السابع وهو يوم السبت ، وقدّسوا السبت لذلك ، وجعلوه عيدهم الدينى والقومى. وقلّدهم النصارى وخالفوهم ، فجعلوا الأحد عيدهم ، ولكنهم لم يجعلوه يوم راحة بل يوم خدمة وتعبّد ، وضلّ هؤلاء وهؤلاء عن يوم الجمعة. والمسلمون وإن كانوا آخر أمّة فى التنزيل إلا أنها الأولى فى العبادة ، وهداهم الله ليوم الجمعة عيدا دينيا وقوميا لهم ، وبه تكون لهم هوية ، وبدونه تنتقص هويتهم. وتنطق الجمعة بتسكين الميم ، أو بضمها فيقال الجمعة ، تثقيلا وتفخيما ، وجمعهما جمع وجمعات ، ومعنى أنه يوم جمعة أنه يوم اجتماع ، وفى الأدب الشعبى أنه الجمعة لأن الله جمع فيه خلق آدم وخلق كل شىء ، فاجتمعت فيه المخلوقات ، أو أنه الجمعة لتجتمع فيه الجماعات ، أو لاجتماع الناس فيه للصلاة. وأصحاب الفضل الأول فى اتخاذ يوم الجمعة عيدا ، وتسميته بيوم الجمعة هم : الأنصار ، فقد حاوروا اليهود فى المدينة ، وكان اليهود يعتبرونهم أغيارا ، يعنى من الأمم أو الجويم بالعبرية ، بينما اليهود هم الصفوة والمختارون ، وهم شعب الله ، وهذا الإحساس القومى اليهودى أزكى الإحساس القومى العربى عند الأنصار ، وهو ما دفعهم أيضا إلى اعتناق الإسلام لأنه دين عربى خالص ، وكانوا اثنى عشر رجلا ، ولكنهم أرادوا أن يكون لهم يوم يجتمعون فيه ويصلّون ، ويشكرون لله ، فاتخذوا اليوم القومى للعرب ـ وهو يوم العروبة ـ عيدا لهم ، ثم اشتهر عندهم بيوم الجمعة ، فأطلقوا عليه هذا الاسم ، وكان ذلك قبل أن يهاجر الرسول صلىاللهعليهوسلم. وكان كعب بن لؤى أول من سمّاه يوم الجمعة ، وأول من جمع المسلمين فيه ، وعاونه أسعد بن زرارة ، وصلّيا بالناس ركعتين وارتجل كعب كلمة ذكر فيها الله وحمده وكبّره ، واحتفل سعد بهم وأو لم لهم. وكان مجىء النبىّ صلىاللهعليهوسلم من مكة يوم الاثنين ، الثانى عشر من ربيع الأول ، حين اشتد الضحى ، ومن تلك السنة بدأ التاريخ الإسلامى الهجرى ، وأقام النبىّ صلىاللهعليهوسلم وأصحابه بقباء وبدأ يبنى المسجد ، وخرج يوم الجمعة فأدركته الصلاة فى بنى سالم بن عوف فى بطن واد لهم اتخذوا فيه مسجدا ، فجمع بالناس وخطب ، فكانت أول جمعة للرسول صلىاللهعليهوسلم بالمدينة ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
