ديارهم : (وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ ...) (٣) ، وكأنهم فى يوم الحشر وهم خارجون منها وقد حملوا متاعهم على الجمال ، ومنها الأبواب والأسقف وكل شىء ، وساروا على أقدامهم تتبعهم نساؤهم وأطفالهم. والسورة من الإعجاز القرآنى لأن «لأول الحشر» قد تعنى أن جلاءهم من تلك الأرض كان جلاء أبديا ، وأنهم لن يعودوا إليها حتى يوم الحشر الذى هو يوم القيامة ، وفى التوراة أن اليهود خرجوا من مصر وساروا مثل هذه المسيرة وكأنهم فى يوم الحشر ، وسمى ذلك بالخروج ، وأطلقوا على السفر الثانى من أسفارهم اسم «سفر الخروج» ، وشاع عنهم مصطلح «الخروج Exodus» ، غير أنهم فى سفر الحشر لم يكن خروجهم مجرد «خروج» ولكنه «إخراج» ، وفى المصطلح القرآنى هو «جلاء» ، والجلاء : هو مفارقة الأوطان ، يقال جلا بنفسه جلاء ، وأجلاه غيره إجلاء. والفرق بين الجلاء والإخراج وإن كان معناهما فى الإبعاد واحدا ، من وجهين : أحدهما أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد ، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد. والوجه الثانى : أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة ، والإخراج يكون لواحد ولجماعة. وتذكر السورة سبب هذا الجلاء : (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (٤) ، أى عادوه وخالفوا أمره ، وكانوا قد عاهدوا النبىّ صلىاللهعليهوسلم فى أول الأمر ألا يكونوا عليه ولا له ، أى على الحياد ، فلما ظهر يوم بدر قالوا عنه : هو النبىّ الذى نعت فى التوراة فلا ترد له راية. فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا ، فخرج كبيرهم كعب بن الأشرف فى أربعين راكبا إلى مكة فحالفوا قريشا على المسلمين ، وتعاهدوا عند الكعبة ، فقتل المسلمون كعبا ، قتله محمد بن سلمة الأنصارى ، وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش ـ وكان أخا لكعب ابن الأشرف من الرضاعة ـ وعبّاد بن بشر بن وقش ـ والحارث بن أوس بن معاذ ، وأبو عبس بن جبر ، ثم صبّحهم المسلمون فأمروهم بالخروج من المدينة ، فقد كان بنو النضير من سكان ضواحيها ، وما كان من الممكن أن يستمروا فى مجاورة المسلمين وقد بدروا بالعداوة ، ورفضوا النزوح وتنادوا بالحرب ، وتناوشوا مع المسلمين ولكنهم لم يقاتلوهم ، واستمهلهم الرسول عشرة أيام ليتجهّزوا للخروج ، فدسّ إليهم المنافقون من اليهود من بنى قريظة أن لا يخرجوا وسيكونون معهم ، يقاتلون لو قوتلوا ، وسيخرجون معهم لو أخرجوا ، وتدرب المسلمون أثناء ذلك على ما نسميه الآن بحرب المدن ، وفى أيام الرسول صلىاللهعليهوسلم كان الأجدر أن تسمى حرب الأزقة ، واستمر تدريبهم إحدى وعشرين ليلة ، وكانوا ينقبون حصونهم من خارج ، واليهود يرممونها من داخل ، ويسدون الأزقة بالمتاريس ، وكانت لهم أربعة حصون : الوطيح ، والنّطاة ، والسّلالم ، والكتيبة ، وكان اليهود فى ذاك الزمان مثلهم اليوم أهل حلقة ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
