الإنسان على أن يؤمن حالا وليس مستقبلا ، فإن كان به ميل للإيمان ، فليؤمن الآن وليس غدا ، والآن أحرى الأوقات لاستكناه الدلائل واستنباط البراهين ، ومهمة النبىّ : هى تبديد ظلمة الجهل بالله ودحض إنكاره ، وما يتلوه النبىّ من كتاب هو نور لأصحاب البصر والبصيرة. وليس لجحود الإنسان بالله من سبب سوى أن للإيمان تكاليف ، والإنسان لا يريد ديانة مكلّفة تستنفد منه المال ، مع أن هذا المال سيتركه إذا مات ليرثه غيره ، وكان الأولى به إذن أن ينفقه لصالح نفسه فى الدنيا والآخرة. وشتّان بين أن تؤمن وتنفق والإسلام لمّا ينتصر بعد ، ولا مطمع لك فى شىء ، ومنطق الحال يجزم أنك تنفق على قضية خاسرة وغير مضمونة ـ وبين أن تؤمن وتنفق بعد انتصار الإسلام وأنت متأكد مما سيأتيك من المغانم ، وكلا وعد الله الجنة ـ الذى أنفق من قبل والذى أنفق من بعد ، ولكن مع تفاوت الدرجات. وسمّى الله الإنفاق قرضا من الإنسان لله ، يردّه له مضاعفا يوم القيامة ، والنور يسعى بين أيدى المؤمنين والمنفقين فى طريقهم إلى جنة الخلد. وفى السورة وصف لجانب مما فى الآخرة من تمييز بين الجنة والنار يفصل بينهما سور ، باطنه من جهة المؤمنين المنفقين رحمة ، وظاهره من جهة المنكرين الأشحاء من قبله العذاب. وتحذر السورة المؤمنين أن يكون حالهم حال اليهود ، فلمّا نسوا الله قست قلوبهم وشاع بينهم الفسق ، وتحضّهم على التزوّد بتعاليم الله من القرآن ، وباتباع سنّة الرسول صلىاللهعليهوسلم ، لتظل قلوبهم حيّة فلا تموت عنها الرحمة ، ومثل ذلك المطر ينزل على الأرض الميتة فيحييها ، وكذلك الإقبال على العلم والأخذ بالدين. وأبلغ ما تدعو إليه هذه السورة هو الإنفاق ، وإن شئت تصنيفها فهى سورة الإنفاق ، فكما أن هناك سورا فى التعبئة العسكرية ، وسورا فى القتال ، وسورا فى التوحيد ، وهكذا ، فكذلك هذه السورة فإنها فى اشتراكية الإسلام ، ومدارها : أن المال لله ، وأن الأغنياء وكلاؤه ، وأنه بشرع الله ينبغى أن يكون دولة بين الناس جميعا ، فلا تستأثر به طبقة دون طبقة ، بل يستطرق فى كل الطبقات. وتعرّف السورة المصدّق والمصدّقة : بأنهما اللذان يقرضان الله قرضا حسنا. والقرض اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء ، وما يسلف من العمل الصالح ، ويكون فى المال يقرض للناس ، أو يقرض لله ، وتمثيل الصدقة بالقرض ، تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه ، وتشبيه لعطاء المؤمن فى الدنيا بما يرجو به الثواب فى الآخرة ، وكنّى الله عن الفقير المتلقى للصدقة بنفسه العليّة المنزّهة عن الحاجات ، فقال : إن الصدقة قرض لله ، ترغيبا فى الصدقة. وهى قرض حسن ، لأن نيّة التصدّق بالصدقة نيّة حسنة ، وليس فيها منّ ولا أذى ، وجزاء القرض : (يُضاعَفُ لَهُمْ) (١٨) أى كقوله : (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) (الأنعام ١٦٠) ، وقوله : (فَيُضاعِفَهُ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
