لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً) (البقرة ٢٤٥) ، يعنى قد تكون الحسنة بعشرة أمثالها ، أو بأكثر من ذلك حتى سبعمائة ضعف ، كقوله : (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ) (البقرة ٢٦١) ، وإذن فالمصدّقون والمصدّقات هم حقا الصدّيقون ، أى الذين صدّقوا وأخلصوا حتى الشهادة. ثم تنتقل السورة إلى وصف الدنيا وتسمّيها دار لعب ولهو وزينة ، وتفاخر وتكاثر فى الأموال والأولاد ، وتدعو الناس أن يتسابقوا فى الإنفاق ، لتكون لهم الجنة. واللهو بالنسبة للصدّيق هو ما يلهى عن الآخرة ؛ والزينة هى ما يرضى غرور الجهلاء من فاخر الثياب والرياش ؛ والتفاخر هو المباهاة بالأحساب والأنساب والأموال والأولاد. والله يعلم حقائق الناس ، ويعرف ما يمكن أن يصيبهم من مكاره ، وما يحدث فى الأرض من مصائب ، وكلّ تصيبه المصائب وتأتيه النّعم بقدر وسعه ، فلا ينبغى أن نحزن على ما يفوتنا ، ولا نغتر بما نحصّله ، ولنترك القنوط تركنا للأشر والبطر ، ولننفق ونوسّع على الناس ، ولا نبخل ولا نأمر بالبخل. وما أرسل الله تعالى الرسل ، ولا نزّل الكتب ، ولا الميزان ، ولا الحديد ، إلا لتوضيح الحق ولنصرة الدين. والرسل تتابعت منذ نوح وإبراهيم ، ومن بينهما وبعدهما حتى عيسى بن مريم ، وجميعهم يدعو بدعوة واحدة ، فاهتدى بهم من اهتدى وفسقت الكثرة عن أمر ربّها ، والمهتدى ـ كأنصار عيسى ، كانت بهم رأفة ورحمة ، وابتدعوا الرهبنة ابتغاء رضا الله ، وأما من ضلّ فهؤلاء أفسدوا كل شىء حتى الرهبنة التى ابتدعوها. وتختتم السورة بالدعوة إلى تقوى الله ، والإيمان برسوله ، فيكون للمؤمنين المتّقين نصيبان من الرحمة ، نصيب كأجر للتقوى ، ونصيب كأجر للإيمان. ومن مزايا الإيمان أنه نور لصاحبه يهديه السبيل ، وبالإيمان يغفر له. ورسالة محمد ليست إلا الإخبار بكل ذلك والوعد به ، والنبوة لم تكن وقفا على اليهود كما يدّعون ، ولكنها فضل الله يأتيه من يشاء من عباده.
والسورة فيها الكثير من المصطلحات ووجوه البلاغة ، كقوله تعالى : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ) (١١) وهو تعبير جميل فيه ندب إلى الإنفاق فى سبيل الله ؛ وفى قوله تعالى : (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ) (٦) دليل على كروية الأرض ، فما كان من نصف الأرض مواجه للشمس كان نهارا ، والآخر البعيد يكون فى الظلام ، وبدوران الأرض حول نفسها ودوراتها حول الشمس يصبح النهار ليلا ، والليل نهارا ؛ وفى قوله : (ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها) (٤) دليل على أن باطن الأرض يستقبل ما ينزل من السماء ، ولقد استقبل الحديد والنيكل ونفذا إلى باطن الأرض ، فكان هذا الباطن كله منهما. وأما قوله عن السماء : (وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها) (٤)
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
