فكان الله ولم يكن الكون ، وهو يميت ، والموت من عالم الشهادة ، ويبعث ، والبعث نشهده فى الأرض يحييها الماء ، فتضج بالمخلوقات والنباتات. وهو تعالى الأول : ليس قبله شىء ، والآخر : ليس بعده شىء ، والظاهر : لم يظهر عليه شىء ، والباطن : فليس وراءه شىء ، وهو وراء كل شىء ، وحقيقة كل شىء ، خلق السموات والأرض فى ستة أيام ، واليوم هو الوقت الاصطلاحى ، أو الوقت مطلقا ، من يمّم أى قصد وتوخّى ، فهو الوقت الذى يستغرقه إتمام القصد ، والأيام الستة قد تكون من أيام الأرض ، كناية عن سرعة خلقه تعالى للكون بقوله كن ، وقد تكون من أيام الآخرة ، كل يوم بألف سنة من سنين الأرض ، والعدد ألف يقال مجازا عن طول المدة ، والحقيقة أنه لا علم لنا بالمدة التى استغرقها الخلق ، فكلها أقوال تقريب الخلق العظيم من أفهام المخلوقين ، وهو فى الأول والآخر الخالق المبدع والعالم القادر ، سبحانه. والعرش هو الكون بأسره ، ما نعرف منه وما لا نعرف. والاستواء : هو التمكّن والسيطرة ، فصار الكون إليه ، وصار تدبيره عليه ، وتحقق علمه به ، وبما يلج ويعرج فيه ، وبما يتنزّل منه ، وهو فى كل مكان ، ومع كل إنسان ، والزمان من إبداعه ، والليل والنهار من اختراعه ، وخلق لهما أدواتهما من شمس وقمر ، وأرض وسماء ، وشروق وغروب ، وأحاط علمه بكل شىء ، ولا يخفى عليه ما فى الصدور ، ولا ما تتحدّث به النفوس ، وتحتشد له النوايا والسرائر. وبمثل ذلك بدأت السورة ، فكانت قمة فى التسبيح والتمجيد لله ، فأرشدت المؤمن الحائر ، ودلّت القلب الواعى ، فكأن هذا الجزء من السورة هو مقدمة للجزء الثانى عن دعوة الإسلام ، فى مثل قوله تعالى : (آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) (٧) ، ليس لأن الله يحتاج إلى من يشهد له ، وإنما لأن فى الإيمان بالإسلام صلاح للبشرية وللأحوال فى الأرض ، والصلاح قوامه المال ، والمال يؤتيه الله من يشاء ويستخلفه فيه ، لينفقه صاحب المال فى الخير ، وربطت السورة بين الإيمان والإنفاق ، بقوله تعالى : (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) (٧) ، ونظرية الأجر من نظريات القرآن ، والأجر هو الثواب والعقاب على العمل ، ومن يجحد الثواب والعقاب جاحد لله ولتعاليم القرآن. والإنفاق من ركائز اشتراكية الإسلام ، وأساس هذه الاشتراكية أن المال لله ، وأن الإنسان مستخلف عليه ووكيل عن الله فيه. وقوله تعالى : (وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٨) استفهام للإنكار والتوبيخ ، والآية فيها أن النبوة ضرورية لمعرفة الله ، ولسدّ حاجة الإنسان للشرائع ، وأن الإيمان طبع مركوز فى الإنسان ، وهو الميثاق : شدّ الله به وثاق الإنسان بنصب القدرة فيه على الاستدلال ، وأن يتفهم الحجج والبراهين فيتأكد من وجوده تعالى ، ويتوثّق من وحدانيته. والآية تحضّ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
