قيامها بالمنوط بها ، فالنجوم لتضىء وتدور فى الأفلاك تربط هذا بذاك ، والشجر ليثمر ويعطى الحبّ والفاكهة ، فذلك هو سجودهما. ووضع الأرض هو سجودها ، أى تسخيرها ، فإذا كان الكون كله فى صلاة وتسبيح وسجود ، فكان الأحرى بالإنسان والجان وقد خلق لهما العقل ، أن يعبدا الله حقّ عبادته. وقوله تعالى : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) دليل على أنهما مكلّفان. ويخبر تعالى بصدق القرآن ، بدليل خلق الإنسان والجان ، فالإنسان خلقه من تراب ، والجان خلقه من نار ، وبرهان ترابية الإنسان أنه إذا مات يتحلّل إلى عناصر هى نفس عناصر التراب. وفى سورة الرحمن يأتى عن خلق الإنسان قوله تعالى : (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ) (١٤) ، وفى سورة الحجر أنه خلقه : (مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (٢٨) ، وفى سورة الصافات : (إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ) (١١) ، وفى سورة آل عمران : (كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ) (٩٥) ، وكلها معان متفقة ، غير متعارضة على عكس ما يقول المستشرقون ، ففي البداية كان خلق الإنسان من تراب الأرض ، عجن حتى صار طينا ، وتخمّر فصار كالحمإ المسنون ، ثم اشتدّ فصار صلصالا كالفخار. وجاء خلق الجان مقارنا بخلق آدم ليدل على طلاقة قدرة الله تعالى ، والخطاب فى سورة الرحمن للاثنين الإنس والجن ، والجن خلقهم (مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ) (١٥) أى من لهب من النار ، أو من خلط النار ، والجان واحد الجن. فهذا هو خلقه لكل هؤلاء ، وجميعها دلائل على قدرته ، فبأى هذه الدلائل تكذبان يا معشر الإنس والجان؟ وهو تعالى ربّ مشرقىّ الأرض ومغربيهما ، وذلك دليل علمى آخر على كروية الأرض ودورانها حول الشمس ، فالشمس إذا أشرقت على نصفها الشمالى كان الوقت غروبا فى النصف الجنوبى ، وإذا كان الوقت نهارا فى الجنوبى ، كان ليلا فى الشمالى. ومن آياته أنه أرسل البحر الملح والبحر العذب يتجاوران ويلتقيان ولا يمتزجان ، وبينهما حاجز من قدرة الله لا يطغى أحدهما على الآخر ، ومن الماء يخرج اللؤلؤ والمرجان كما يخرج من التراب الحبّ والعصف والريحان ، فسبحان الواحد المنّان! وأجرى السفن فى البحر مرفوعات الشراع ، فكانت كالجبال فى البرّ ؛ فكأنه تعالى أحصى الأصول فى هذه الأربعة : التراب ، والماء ، والهواء ، والنار ؛ فالتراب خلق منه الإنسان ؛ والماء : خلقت منه الأنهار والبحار ، وخلق طينة الإنسان ، وسقى الزرع والحيوان ، وأخرج من الأنهار والبحار الدّر والمرجان ؛ والهواء : جفّف الطين الذى قدّ منه الإنسان ، وأجراه فيه فبعث فيه الحياة وتنفّست رئتاه ، وجعل الهواء لكل شىء حىّ ، وحتى السفن فى الماء تندفع بالهواء ؛ والنار : خلق منها الجان ، وسوّى بها طينة الإنسان ، ولها الفوائد الجليّ فى توليد الطاقة وغير ذلك ، فهذه هى العناصر الأربعة الأصول لكل الأشياء ، فأى
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
