أن سليمان استخدم الجن لعلمهم ومهارتهم ، والجن إذن من ثوابت القرآن ، وليس فى القرآن أن نبيّنا تعامل مع الجن أو خاطب الجن ، وكل ما فيه أن الجن استمعوا إلى القرآن ، كقوله تعالى : (وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ) (الأحقاف ٢٩). وفى القرآن يتكرر الخطاب والرواية عن الجن والإنس ، إحدى عشرة مرة ، ومنها مرتان كان الخطاب فيهما لهما معا ، فكانت الجن تقدّم على الإنس : (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) (٣٣) ، فنفهم أن الجن بمصطلح سورة الرحمن هم : «أثقل الثقلين». واستهلال آلاء الله على الإنسان بالقرآن ، دليل على أن القرآن هو نعمة الله الكبرى ، ويسبق فى الذكر خلق الإنسان ذاته وتعليمه البيان. وتخلص السورة إلى بقية الآلاء فى تراتب قيمى ، فبعد القرآن ، والإنسان ، والبيان ، تأتى الشمس ، والقمر ، والنجم ، والشجر ، والسماء ، والمقصود تعداد ما أنعم الله به على نوع الإنسان ، حثّا لهم على شكره ، وتنبيها على تقصيرهم فى هذا الشكر. وكل هذه الآيات خلقها تعالى بميزان ، أى بتقدير وحساب ، فالميزان شرعته تعالى ، وبدون الميزان لا يستقيم الكون ، ومن ثم كانت موعظته تعالى للإنسان بأن يقيم الوزن بالقسط ، أى بالحساب والتقدير ، بحسب القصد والغاية ، فبالميزان وضع الله تعالى الأرض كوضعه للسماء ، ويسّر الأرض للناس ، فكل شىء لا بد أن يكون بميزان وبغاية ، والأرض كانت كذلك بغاية معاش الإنسان ، فذلّلها له ، وخلق له فيها كل ما لذّ وطاب ، ومن الإعجاز الفكرى والحضارى للقرآن أن خلقه جاء قبل خلق الإنسان ، لأنه قبل خلق الإنسان لا بد أن يوجد سبب للخلق ، وأن يحدّد للإنسان منهج ، والقرآن خلقه الله للإنسان ليرجع إليه ، وكل علم لا بد فيه من مرجع ، والقرآن هو الكتاب المرجع الأكبر ، والقراءة والكتابة أساس كل حضارة ، والبيان هو أعلى علوم الإنسان ، ولذا قال تعالى فى سورة الرحمن : (عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ) (٤) ، فكان القرآن أولا قبل الإنسان. ومن الإعجاز العلمى : أن الشمس والقمر بحسبان ، والحسبان عند العرب هو الرحى ، يعنى قطب الشمس أو القمر ، فهما يدوران فى مثل القطب ، فنبّه القرآن إلى دورانهما حول نفسيهما ، وحول كواكب أخرى ، ولكل نظامه ، مثلما للنجم والشجر نظامهما ، وسجودهما يعنى انتظامهما فى النظام المنوط بهما ، كقوله تعالى فى سورة النور : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) (٤١) ، وقوله فى سورة الإسراء : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (٤٤) ، ونفهم أن يكون للملائكة والإنسان تسبيح وصلوات ، لأن لهما عقول وفهوم ، وأما الشجر والحيوان والطير والنجوم ، فهى مسخّرة ، وصلاتها وتسبيحها هو
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
