الخير والشرّ ، وما ينفع وما يضرّ. «والإنسان» فى السورة : يراد به جميع الناس ، و «البيان» على هذا يكون الكلام والفهم ، فضّل الله تعالى الإنسان بالبيان على سائر الحيوان. وهذه السورة للتعريف بالله خالق الإنسان والبيان ، وهى من السور التى بها الكثير من الفلسفة فى مسائل الإلهيات ، والنشأة ، وعلوم الكون والفضاء والنفس. والبيان الذى علّمه الله للإنسان ، واختصّه به ، ليس مجرد الكتابة والخط بالقلم ، ولا هو مجرد التعبير للتفاهم حول اليوميات ، ولكنه جماليات اللغة وأنماط الأدب ، وجماليات الخطوط والأشكال والرسوم والألوان ، كقوله تعالى : (عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) (٥) (العلق). والبيان من آلاء الله ، وآلاؤه أو نعمه لا تعدّ ولا تحصى ، وهذه السورة للفت النظر والسمع والفهم إلى بعض منها ، وتتكرر الآلاء ٣١ مرة ، وفى كل مرة تذكر ، يأتى (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) (١٣) ، والخطاب فيها لاثنين ، قيل هما المؤمن والكافر ؛ وقيل : الخطاب للإنس والجن ، كقوله تعالى : (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي) (الأنعام ١٣٠) ، ومع ذلك فالقرآن ليس كتابا للجن ولكنه كتاب للبشر ، وما قصّه علينا إنما عن رسل البشر وليس عن رسل الجن ، وسورة الرحمن الخطاب فيها ، والحديث فيها يشمل الإنس والجن. وفى القرآن إخبار عن أن الجن استمعوا له واتّعظوا به. وفى الرواية : أن النبىّ صلىاللهعليهوسلم قام يصلى الصبح بنخلة ، فقرأ سورة الرحمن ، واستمع لها نفر من الجن ، وذهبوا يبلّغون. وقيل : لمّا نزلت عليه سورة الرحمن خرج على أصحابه يقرأها عليهم من أولها إلى آخرها ، فسكتوا ، فقال : «لقد قرأتها على الجن ليلة الجن ، فكانوا أحسن مردودا منكم. كنت كلما أتيت على قوله : «فبأى آلاء ربكما تكذبان» قالوا : لا بشيء من نعمتك ربّنا نكذّب ، فلك الحمد» أخرجه الترمذى. وهذا الحديث اتّخذ ذريعة للقول بأن السورة مكية وليست مدنية ، وقالوا : إن روحها روح السور المكية ، وفيها عن الجن مثلما فى سورة الجن وهى مكية أيضا ، وهذه السورة الأخيرة رواية عن الجن فى تسع عشرة آية من ثمان وعشرين آية هى كل آيات السورة. وكذلك سورة الرحمن تلازم فيها الخطاب للإنسان والجن ، وتسميهما السورة : «الثقلان». قيل : سميّا بذلك الاسم ، لعظم شأنهما بالإضافة إلى سائر ما فى الكون من مخلوقات ، أو لعظم ذنوبهما. ولا يستغربن القارئ أن يكون فى القرآن سور وآيات عن الجن ، فإن علوم الفضاء الحالية يؤكد علماؤها أن غايتهم اكتشاف سكان الكون من غير الإنسان ، ويجزمون بأن هناك مخلوقات تسكن الكواكب وتعمّ الكون بخلاف الإنسان ، فلما ذا لا يكون هؤلاء هم الذين يسميهم القرآن الجن؟ ولقد بيّنت سورة الجن مدى قدرات الجن ، وأنهم يتنصتون على الملأ الأعلى فى السماء ؛ وفى سورتى النمل وسبأ :
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
