واحتبست قريش عثمان ، وبلغ الرسول صلىاللهعليهوسلم أنه قتل ، فقال الرسول صلىاللهعليهوسلم : «لا نبرح حتى نناجز القوم» ، ودعا الناس إلى البيعة ، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة ، وبايعوه على الموت أو على أن لا يفرّوا ، ولم يتخلف واحد إلا الجد بن قيس. وقال لهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أنتم خير أهل الأرض اليوم» ، وقال : «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» ، ونزل القرآن فيهم : (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (١٠). والسورة جميعها تتحدث فى أمر هذا الصلح الذى كان بداية الفتح الأعظم : فتح مكة ، فكان هذا الفتح غاية التمكين فى الجزيرة العربية ، فقد دخل الناس الإسلام بعد ذلك أفواجا ، وأبلى الرسول صلىاللهعليهوسلم أحسن البلاء ، فكافأه الله تعالى ونزلت عليه الآية : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً) (٣) ، فعلمنا أن الأنبياء قد تجرى عليهم الصغائر ، وربما كان ما تقدم من ذنبه قد كان فى الجاهلية ، وربما كان الذنب يوم بدر أو يوم حنين ، فقد كان يدعو يوم بدر : «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد فى الأرض أبدا» فأوحى إليه : من أين تعلم أنى لو أهلكت هذه العصابة لا «أعبد أبدا»؟! فهذا هو الذنب المتقدم ، وأما المتأخر فيوم حنين ، فلما انهزم المسلمون قال لعمّه العباس ولابن عمه أبى سفيان : ناولانى كفا من حصباء الوادى» ، فناولاه ، فأخذ بيده ورمى به فى وجوه المشركين ، وقال : «شاهت الوجوه حم (حاميم) ، لا ينصرون» ؛ فانهزم القوم عن آخرهم ، فلم يبق أحد إلا امتلأت عيناه رملا وحصباء ، فقال لأصحابه من بعد : «لو لم أرمهم لم ينهزموا» ، فأنزل الله تعالى : (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى) (الأنفال ١٧) ، فكان هذا هو الذنب المتأخر. وذلك إذن ما أنعم به الله تعالى على نبيّه فى هذه السورة ، فلما ذكر ذلك عنه صلىاللهعليهوسلم ، أتبعه بما أنعم به على المؤمنين ، فقال : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً) (٥) ، فالمغفرة إذن شملت النبىّ صلىاللهعليهوسلم والمؤمنين من أهل بيعة الرضوان ، فقد غفر لهم وكفّر عن سيئاتهم. وفى الآيات أن الإيمان يزداد وينقص ، وأن المؤمنين هم جنود الله فى الأرض. وقابلت آيات الإحسان للمؤمنين آيات العذاب للمنافقين والمشركين ، ومن هؤلاء كانت منافقات ومشركات ، وعرّفهم ـ أى المنافقين والمنافقات ـ بأنهم الظانون بالله ظن السوء ، وهؤلاء عليهم دائرة السوء : ظنوا أن النبىّ صلىاللهعليهوسلم وأصحابه سيلقون حتفهم فى هذه الرحلة ، أو سيؤسرون ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
