فكيف يلقى النبىّ صلىاللهعليهوسلم حتفه وهو موعود منذ بداية بعثته بأنه شاهد؟ والشاهد لا بد أن يحضر الحدث منذ البداية حتى الختام ، وهو شاهد يشهد عليهم يوم القيامة ، ومبشّر لمن يطيع ربّه ورسوله ، ونذير لمن يعصاهما ، فأما الطاعة للرسول فتكون بالإيمان بما يبلغهم به ، وتعزيره ـ أى تعظيمه وتوقيره ، وأن ينصروه وأن يمنعوه ، وفى ذلك طاعة الله تعالى. وليست بيعتهم للرسول إلا لأنهم يبايعون فى الحقيقة الله ، ولذلك كانت يده تعالى فوق أيديهم : يده فى الثواب فوق أيديهم فى الوفاء ، ويده فى المنة عليهم بالهداية ويده فى الهداية فوق أيديهم فى الطاعة ، وأما من ينكث ويرجع فإن ضرره على نفسه وليس على الله ولا على رسوله.
ومن مصطلحات السورة قوله تعالى : (الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ) (١١) ، وهو ما أطلقه القرآن على أعراب : غفار ، ومزينة ، وجهينة ، وأسلم ، وأشجع ، والدّيل ، وكانوا يسكنون أرباض المدينة ، وتخلّفوا عن صحبة النبىّ صلىاللهعليهوسلم بأعذار مختلفة ، فقالوا : (شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) (١١) ، وردّ الله عليهم قال : (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً) (١٢). وفى السورة كثير من المسائل من المستقبل وصدقت جميعا ، وهى إعجاز قرآنى لا شك فيه ، فالإخبار بالفتح والنصر العزيز ، وبما سيحدث فى خيبر والمغانم فيها ؛ واللقاء الموعود مع أولى البأس ، والفتوح الأخرى التى فتحت على المسلمين : كأرض فارس والروم ، جميعه من المستقبل. وسورة الفتح تعطى الكثير من الأمل للمسلمين المؤمنين ، وتطمئنهم إلى ما سيئول إليه أمرهم ، وهى من السور المبشّرات. وفى السورة الثناء على المقاتل المسلم : (وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ) (٢٢) ، ولمّا تسللت إليهم جماعة من المشركين قريبا من جبل التنعيم ببطن مكة ، وكانوا نحو ثلاثين ، وربما سبعين أو ثمانين ، يريدون الإيقاع بالمسلمين قبل عقد الصلح ، فطن المسلمون لهم وأخذوهم أسرى ، وكان ذلك أثناء مفاوضات الصلح ، وأعتقهم النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، فهم المسمون «العتقاء» ، ومنهم معاوية وأبوه ، وذلك معنى (كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) (٢٤) ، فلما أمكنه منهم وعده بمزيد النصر ، ليدخل الأنس على الرسول صلىاللهعليهوسلم وعلى المؤمنين ، فقال : (وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) (٢٥) ، وأخبر أن بمكة مسلمين ومسلمات لم يعلنوا عن إسلامهم ويخفونه ، ولا يعرفونهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين ، ولو لا كراهة أن يوقعوا بهم ويقتلوا منهم دون أن يعلموا ، فينالهم من ذلك الإثم والعيب ، لكان إذنه تعالى للمسلمين ولرسوله أن يدخلوا مكة. ولو تزيّل هؤلاء عن هؤلاء ـ أى لو
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
