مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) (٤٥) (النازعات) وكان آل فرعون يسومون بنى إسرائيل سوء العذاب ، ويذبّحون أبناءهم ، ويستحيون نساءهم ، ومثلهم أقوام نوح وعاد وثمود ، ومن جاءوا بعدهم ، فما أقرّوا بالفضل ، وردّوا على الرسل أقوالهم ، وكذّبوهم بأفواههم ، وحاجّهم رسلهم : أفى الله فاطر السموات والأرض تشكّون؟ وتعلل المكذّبون بأنهم لن يؤمنوا لبشر مثلهم ، وهددوهم بالإخراج من أراضيهم ، فأهلك الله الظالمين وأسكن المؤمنين أرضهم ، وخاب كل جبار عنيد مثل أبى جهل وهو المتكبّر العاصى الحرون. ويروى أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك كان من هذا الصنف من العباد ، فتفاءل يوما فى المصحف ، فخرج له قوله تعالى : (وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (١٥) ، فمزق المصحف ، فلم يلبث إلا أياما حتى قتل شرّ قتلة. وتتطرّق السورة لمصير أمثاله يوم الدين ، فجهنم لهم بالمرصاد ، وشرابهم فيها ماء صديد ، يتحسّوه جرعات وقد أحيط بهم ، فلا يقضى عليهم فيموتوا ، ولا يخفّف عنهم العذاب. ، أعمالهم فى الدنيا كرماد تذروه رياح يوم عاصف ، فيما يستفيدون شيئا من ضلالهم. وتتوالى مشاهد الآخرة ، ويجتمع فى المشهد الواحد الضعفاء والمتكبّرون والشيطان ، وكلهم يتجادلون ويتلاومون ، ويلقون الذنب على بعضهم البعض ، وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم الجنة وتحيتهم فيها سلام. وتضرب السورة مثل الكلمة الطيّبة بالشجرة الطيبة ، أصلها ثابت فى الأرض ، يعنى باق ، وفروعها فى السماء ، يعنى أنها رفعت وحازت القبول وعليها الجزاء نعم الجزاء ، ونقيضها الكلمة الخبيثة ، ما لها فى الأرض من قرار ، والله يثبّت المؤمنين بالقول الثابت فى الدنيا والآخرة ، وهو القول الطيب ، والأقوال أفعال ، وتصدر عنها أفعال وتدفع إليها أفعال ، وخير الأفعال الصلاة والزكاة ، وبهما يكون شكر الله على نعمه ، وإن يعدّوا نعمة لا يحصوها. وخير الأقوال دعاء إبراهيم لمكة وأهلها ، ولبيت الله المحرّم ، وأن يجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم ، وقيل : لو قال أفئدة الناس لازدحم العالم بأسره على مكة ، ولكنه دعا «من الناس» فهم المسلمون. ولم ينس نفسه بالدعاء ، فحمد الله أن رزقه إسماعيل وإسحاق على الكبر ، وسأله تعالى أن يجعله وذريته أمّة فكانت أمة الإسلام» ، سموا كذلك لأنهم أسلموا لله ، وأقاموا له الصلاة ، ولم ينس إبراهيم فى دعائه أن يسأل الله أن يغفر له ولوالديه وللمؤمنين. وتوجّه السورة الخطاب إلى النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، تسلية له وللمؤمنين : أنه تعالى غير غافل عن الظالمين ، وإنما يؤخّرهم لليوم المعلوم ، وإنه لرسول نذير ، ويضرب له وللمؤمنين الأمثال بما كان ممن سبقهم ، فأماتهم وأورثهم مساكنهم ، ولقد مكروا مكرا لتزول منه الجبال ، والله لا يخلف وعده ، ويوم الحساب يقرن المجرمون فى الأصفاد ، وسرابيلهم من قطران ، وتغشى
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
