الرسول صلىاللهعليهوسلم ، فمات عمه أبو طالب وهو الذى كان يجيره ويحميه ، وماتت زوجته خديجة ، وهى التى كانت له بلسما فى حنانها وحدبها وطهرها ، فخففت السورة من وقدة الشدائد ، ومن وحشة الدار بلا زوجة ، وكانت تسلية للنبىّ صلىاللهعليهوسلم ـ وكل قصص الأنبياء كانت لتسليته والتخفيف عنه ، إلا سورة يوسف فكانت فرجا بعد شدة ، فلقد كادوا ليوسف حتى بيع وامتهن ، وعانى ضروب الأسر ، وما يزال قلبه يتوجع مما لحقه من إخوته ، وإذا بامرأة ، ملتاعة تتهمه ، ويلقى به فى السجن ، ويتّهم فى شرفه ، ويمتحن فى دينه ، فيستمسك بإيمانه ، ويصبر على بلائه ، ثم إن الناس تحتاجه لعلمه فيخرج من سجن كان يعيش فيه فى جبّ تحت الأرض ، إلى قصر منيف ، يتبوأ فيه أعلى المناصب ، ويتحكم فى أقدار الناس ، ويشرف على خزائن المال والغلال ، وهكذا يدلل الله على أنه لا ينسى أولياءه ، وأن للصابرين حسن مآب! وقيل : أنزل القرآن على رسول الله صلىاللهعليهوسلم فتلاه على المسلمين زمانا ، فقالوا : لو قصصت علينا؟ فنزل : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ) (٣) ، وكانت سورة يوسف من سور القصص ، غير أن أقاصيص الأنبياء ظلت تتكرر فى القرآن بمعنى واحد فى وجوه مختلفة ، وبألفاظ متباينة على درجات البلاغة ، إلا سورة يوسف لم يكررها ، فمع ذلك لم يقدر مخالف على معارضة ما تكرر من القرآن ولا ما لم يتكرر منه لا ، وكان الإعجاز فى الحالين. كما قال تعالى : (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (١١١) ، أى كان فى قصة يوسف وأبيه وإخوته فكرة وتذكرة وعظة لأصحاب العقول ، وما كانت حديثا يفترى ولكنها متوافقة مع ما جاء منها من قبل فى التوراة وسائر كتب اليهود ، مع فارق أن قصة القرآن كانت بكل التفاصيل ، رحمة لمن يقرأها ، وهدى لمن يعتبر بها. وهذه التفاصيل هى التى صنعت الفرق بين قصة القرآن وقصة التوراة ، وفى هذه القصة الأخيرة ـ قصة التوراة ـ لم يدع يوسف إلى الله كدعوته فى القرآن وهو فى السجن ، ولما ولى الأمر بحسب قصة التوراة ـ تسلّط وبغى ، وجاء إخوته إليه فاتّهمهم بأنهم جواسيس وحبسهم ثلاثة أيام ، واعتاد يوسف السّكر ، واحتال حتى اشترى الأرض الزراعية كلها من الناس ، ثم باعهم الطعام لقاء كل ما يملكون ، حتى حياتهم نفسها ، وكانت فترة حكمه من أسوأ الفترات. ولم تجر قصة يوسف فى ممفيس من أرض مصر ، وإنما فى أرض جاسان من مصر ، وهى محافظة الشرقية الآن ، وأسماء العزيز ، وفرعون ، وزليخا ، وفوطيفار التى أوردتها قصة التوراة ، كلها أسماء أجنبية على المصريين ، وكان ذلك أيام حكم الهكسوس لمصر ، وكانوا آشوريين ، وقيل فيهم
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
