اليهود ويستشيرها ، وسيجد أن قصص القرآن هى الحق ، وما عداها باطل ، فما أكثر ما حرّف فى كتب اليهود ، وما شوّه من القصص الدينى فيها ، فحقّت عليهم كلمة الله ، أى غضبه وسخطه ، وما كان كل الناس سواء فى الإيمان بالرسل ، وما كان لإنسان أن يؤمن إلا لو عقل ، ومن لا يعقل عليه الرجس ، وما تغنى البراهين والدعوة والدلائل لقوم لا يؤمنون ، ومن يشك فى القرآن فليعبد من يرتضى أن يعبد ، فالمسلمون لا يعبدون إلا الله ، وهذا القرآن هو الحق ، قد تنزّل من عند الله ، فمن يؤمن به فقد اهتدى ، وإنما يهتدى لنفسه ، ومن يضل فإنما يضل عليها. وتنتهى السورة بدعوة المؤمنين إلى أن يتّبعوا ما أوحى إلى نبيّهم من القرآن والسنّة ، وأن يصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.
وفى هذه السورة يأتى الحلف من الله يعلّمه لرسوله صلىاللهعليهوسلم ، يقول تعالى : (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) (٥٣) ، و «إى» كلمة تحقيق وإيجاب وتأكيد بمعنى نعم. والحلف منه تعالى بطريق نبيّه صلىاللهعليهوسلم فى القرآن كله يأتى مرتين بخلاف هذه المرة السابقة ، يقول : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ) (٣) (سبأ) ، ويقول : (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ) (٧) (التغابن).
ومن فقه هذه السورة أنه فى أوقات الفتن على الناس أن يتخذوا من بيوتهم مساجد كلما خافوا حاكما كافرا أو حكومة مستبدة تجور على المسلمين بقوله تعالى : (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (٨٧). ومن براهين البعث : أن كل شىء له بداية ونهاية ، ثم تكون بداية أخرى وهكذا (إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) (٤). ومن براهين حرية العقيدة للناس مقالة النبىّ صلىاللهعليهوسلم : (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (١٠٨) ، ونفى وكالته للناس يعنى أنهم أحرار يختارون أن يؤمنوا أو يكفروا ، ومن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فعليها. وفى قوله تعالى للنبىّ صلىاللهعليهوسلم : (وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ) (١٠٩) ، أن الوحى له فى حياته ، وبعد مماته النصّ ما يزال قائما صالحا ويخاطب المسلمين كلهم ، وفهمهم لخطاب القرآن ليس بوحى من جبريل ، وإنما من ضميرهم ـ ضمير المسلم الذى شكّله القرآن وطبعته السنّة ، وقوله : (قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (١٠١) ، يعنى عليهم البحث فى كل العلوم بلا استثناء ، والعلم فى القرآن هو العلم الشامل. وفى قوله : (كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٣٣) ، قيل إن الآية دليل على القدرية ، والصحيح أن «حقّت كلمة ربك» لا تعنى أن القضاء بالكفر سبق عليهم ، ولكن المعنى أنهم لما فسقوا وفعلوا أسباب الفسق صاروا فاسقين ، فحقّ عليهم ـ أى صدق ـ أنهم لا يؤمنون. والحمد لله ربّ العالمين. على نعمة الإيمان دائما أبدا.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
