إلى ثلاث فرق ، ففرقة ارتكبت المحذور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت ، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم ، وفرقة سكتت فلم تفعل ، ولم تثنهم ، ولكنها أضمرت الإنكار ، فهذا ما أورد عنه القرآن عن الله تعالى حيث يقول : (إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (١٢٤) (النحل) ، وما يزالون مختلفين فى إسرائيل حتى اليوم وسيظلون كذلك إلى أبد الآبدين ، فقد نسوا أن السبت كان رحمة للناس ، وجاء المسيح فنازعهم فيه أشدّ المنازعة ، فقد فهموا أن حفظ السبت مسألة شكلية ، وصاروا عبيدا للسبت ، وكان المسيح يعلّم : أن السبت إنما جعل للإنسان وليس الإنسان للسبت (مرقس ٢ / ٢٧) ، وعالج مريضا فى السبت فعاتبوه ، فقال أهو خير أم شرّ أن تعالج إنسانا يوم السبت؟ أيهما الأفضل ، أن تتركه يهلك أو تشفيه؟ فكأن المسيح أراد أن يعيد للسبت معناه الحقيقى : أنه يوم خدمة وشكر للربّ وليس يوم بطالة ، وهو نفس المعنى الذى تنصرف إليه الآيات فى القرآن أن الله ما كان يمكن أن يخلق العالم ويتركه دون عنايته ورعايته وحفظه وتدبيره ، فإذا كان يوم السبت هو يوم الرّب ، فليكن يوم رحمة وتواصل وتحابّ ومودة بين الناس أجمعين. واحتفل النصارى بعد ذلك بالأحد كبداية للأسبوع ، لأنه فى الأحد كانت قيامة المسيح ، وفيه كان اجتماعه دائما بتلاميذه. وفى الأحد يصلون للرّب عرفانا بالجميل ، مثلما فعل المسلمون بيوم الجمعة وهو آخر أيام العمل الستة عند الله ، يصلون لله جماعة ، ويشكرونه ويحمدونه ويسبّحون له ، ويذكرونه كثيرا ، ويتواصلون ويتراحمون ويتعاهدون على الخير ، بما فرض الله تعالى عليهم فى قوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (١٠) (الجمعة) والجمعة : سميت جمعة لأنها مشتقة من الجمع ، والجمع هم الأمّة. والجمعة عيد أمة الإسلام ، وكانوا فى الجاهلية يسمونه يوم العروبة ، وفلسفة الإسلام فيه أنه اليوم الذى أكمل الله فيه الخلائق ، وفيه ستكون نهايتهم فى الآخرة يوم ينفخ فى الصور ؛ وفلسفة اليهود فى السبت : أنه اليوم الذى استراح فيه الله من الخلق ؛ وفلسفة النصارى فى الأحد أنه اليوم الذى ابتدأ الله به الخلق ، وفى ذلك جاء عن النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، قال : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، ثم إن هذا يومهم الذى فرض الله عليهم فاختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فالناس لنا فيه تبّع ، اليهود غدا ، والنصارى بعد غد» رواه أبو هريرة وأخرجه البخارى ومسلم. فافهم يا أخى المسلم ، وافهمى يا أختى المسلّمة ، كم أكرمنا الله ، وله الحمد وله المنّة سبحانه وتعالى.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
