وإبصارى كذا إلخ ، فهذه محدّدات كما يقول أهل الفلسفة ، لا اختيار لى فيها ، ولكن : أن أسرق ، أو أزنى أو أكذب إلخ فهذه أفعال يمكننى أن امتنع عن إتيانها ، ويمكننى أن أمارسها باختيارى الحر ، وكذلك ارتعاش يدى فى المرض لا ذنب لى فيه ، ولكن أن تمتد يدى بالسرقة فالذنب هو ذنبى قطعا. والله تعالى هدانا بأن وهبنا العقل ، والتمييز بين الحق والباطل ، والصواب والخطأ ، والحرام والحلال ، وأرسل إلينا الرسل ، وأنزل علينا الكتب ، وعلّمنا لنتبصّر ونعى ونعرف ونحكم بالحق ، فهذا هو هداه ، تماما كما رزقنا نعمة الإبصار ، ثم أنا حر أن استخدمها فى الحلال أو الحرام ، فكذلك هداه تعالى ، آتاه كل نفس ولها أن تختار طريقها بعد ذلك ، كقوله : (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) (١٠) (البلد).
وكثير من الناس سيكون مصيرهم جهنم لأنهم تنكبوا هداه ، والكسب هو ما يعود على كل نفس من الذنوب أو الحسنات ، كقوله تعالى : (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ) (٢٨٦) (البقرة). والكسب هو الذى يدخلنا الجنة أو النار ، وهو اختيار محض ويصدر عن شعور بالحرية ، وإحساس بالمسئولية. والإسلام دين حرية ، واختيار ، ومسئولية.
* * *
٥١٧. التعارض والإشكال بشأن ملك الموت
يزعم المستشرقون أن الآيات : (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) (١١) (السجدة) ، و (وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ) (٥٠) (الأنفال) ، و (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا) (٦١) (الأنعام) ، و (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها) (٤٢) (الزمر) تتعارض مع بعضها البعض ، فمرة ملك الموت هو الموكول إليه الموت ، ومرة هى الملائكة تتولى ذلك ، ومرة هى رسل الله يبعث بهم لقبض الأرواح ، ومرة هو «الله» يقضى بالموت على الخلق ، ولا تعارض البتة بين هذه الآيات : فملك الموت الذى هو عزرائيل هو المنوط به التوفّى ؛ والملائكة تتولى التنفيذ ؛ والرسل تمهد للموت وتيسّره ؛ و «الله» يقضى به ويصدر أمره ، وهو تعالى خلف ذلك كله ، وهو الفاعل الحقيقى لما سبق مع كل من سبق ، وهو تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ) (٢) (الملك) ، (يُحْيِي وَيُمِيتُ) (١٥٦) ؛ وعزرائيل يتولى ذلك بالوساطة ؛ والملائكة والرسل تتولاه بالمباشرة ، فلا تعارض ولا إشكال.
* * *
٥١٨. الإشكال فى الآية : (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ) (السجدة ١٨)
قالوا : المقارنة فى الآية بين المؤمن والفاسق وكلاهما مفرد مذكر ، فكان الأصح أن يقال «لا يستويان» ، فلما ذا قال «لا يستوون»؟ والجواب : أن لفظ «من» للواحد والجمع ، ولهذا قال : «لا يستوون».
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
