يستمعون به إليك وإلى قراءتك وكلامك. إنما يستمعون لسقطك وتتبّع عيبك ، والتماس ما يطعنون به عليك.
* * *
٥١٦. الإشكال فى الآية : (وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ
حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (السجدة ١٣)
قالت المعتزلة فى تفسير هذه الآية : لو شاء الله لأكره الناس على الهداية ، بإظهار الآيات الهائلة ، ولكن ذلك لم يحسن منه ، لأنه ينقض الغرض من التكليف ، وهو الثواب الذى لا يستحق إلا بما يفعله المكلّف باختياره.
وقالت الإمامية من الفرق الإسلامية : يجوز أن المعنى أن الله يريد أن يهدى الناس جميعا فى الآخرة إلى طريق الجنة ، إلا أن القول حقّ منه أن يملأن منهم جهنم ، فلم يعد عليه هداية الكل إلى الجنة ، ولكنه يهدى الصالحين ، ومن كانت عليه ذنوب تكون هدايته لهم إلى النار جزاء ما فعلوا.
وقالت الجبرية : إنه تعالى يهدى الناس على طريق الإلجاء والإجبار والإكراه. وقال آخرون : إن الله تعالى يهدى المؤمنين إلى الإيمان والطاعة ، على طريق الاختيار ، حتى يصحّ التكليف ، فمن شاء آمن وأطاع اختيارا لا جبرا ، وهؤلاء أصحاب مذهب الاختيار ، وفيهم قال تعالى : (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) (٢٨) (التكوير) ، وقال : (فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً) (٢٩) (الإنسان) ، فوقع إيمان المؤمنين بمشيئتهم.
ومما سبق فإن المجبرة تكون قد فرطت لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان متوقفة على مشيئة الله ، ولذلك قالوا : الخلق مجبرون فى طاعتهم كلها ، التفاتا إلى قوله تعالى : (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) (٢٩) (التكوير) : وكذلك فإن القدرية يكونون قد فرّطوا لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان متوقفة على مشيئة العباد ، فقالوا : الخلق خالقون لأفعالهم ، التفاتا منهم إلى قوله تعالى : (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) (٢٨) (التكوير). والقرآن فى مجمله لا يقول بأى من تلك المذاهب ، وإنما قوله هو القول الوسط ، بين كافة المذاهب ، وخير الأمور أوساطها ، والاقتصاد فى الاعتقاد من أصول الإسلام ، وأهل الحق يفرّقون بين ما يضطرون إليه وبين ما يختارونه ، ويدركون الفرق بين حركة الرئتين ، أو القلب ، أو ارتعاش اليدين عند مريض الشلل الرعّاش ، وكلها حركات لا إرادية ، أو نضطر إليها ، وبين ما يختاره المرء لنفسه ، بتحريك يده حركة مماثلة لحركة الارتعاش. وأنا لم أختر أن أولد فى هذا التاريخ المعين ، ولا أن يكون والداى هما هذين ، ولا أن أكون مصريا ، ولا أن يكون طولى كذا ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
