الكفار عند قول النبىّ صلىاللهعليهوسلم : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) (٢٠) فالتبس الأمر على من سمعها ممن كانوا بالقرب من النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، فظنوا أنه قائلها وليس الشيطان ، فكان عذرهم أقبح من ذنب الآخرين! والقرآن ينكر تماما أن يكون للشيطان تأثير على المؤمن ، ناهيك أن يكون هذا المؤمن هو النبىّ صلىاللهعليهوسلم! كقول ربّ العزة مخاطبا الشيطان : (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) (٤٢) (الحجر) ، وقوله عنه : (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (٩٩) (النحل) ، وقوله عن النبىّ صلىاللهعليهوسلم : (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) (٤) (النجم) ، ويقول بلسان النبىّ صلىاللهعليهوسلم : (قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ) (١٥) (يونس) ، وقوله عن عقوبة أن يتقوّل النبىّ صلىاللهعليهوسلم على الله : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ) (٤٦) (الحاقة). وإذن فحكاية الغرانيق لا تثبت من جهة النقل ، فالقرآن لا يمكن أن يناقض بعضه ، كما لا يمكن أن يطعن فيه من طريق أحاديث فى التفسير من المراسيل والمنقطعات ـ وهى التى دخل أكثر البلاء على الإسلام من خلالها.
ثم إن القصة من جهة السياق لا تستقيم مع ما قبلها ، فاللات والعزى ومناة بحسب السياق هى مجرد أسماء سمّاها المشركون وآباؤهم ثم عبدوها ، و «الأسمائية» مدرسة فى الفكر تقول : أنه طالما أن هناك اسما فإنه لا بد أن يكون لشىء موجود فى الواقع وإن لم يكن مرئيا ولا مسموعا ؛ ونقيضها «الوضعية المنطقية» التى تقول : «أن الاسم إن لم يكن موجودا فى الواقع فهو فارغ المعنى» ، وأسماء اللات والعزى ومناة «فارغة المعنى» ، لأنها ليست من الواقع فى شىء. فإن قال قائل : إن الله تعالى ـ بالمثل ـ غير مرئى ولا مسموع ، يعنى أنه غير واقع ثم فارغ المعنى ، فنقول : إنه تعالى مدرك بما له من أفعال نراها بالبصر ، ونسمعها بالأذن ، ونحيط بها بالعقل ، فيما حولنا من مظاهر الكون ، ما ظهر منها وما خفى ، فالله تعالى اسم كالأسماء ، ولكنه على مسمّى متعيّن ندركه بالحواس والعقول والأفهام. وأما اللات والعزى ومناة ـ فكما جاء فى الآيات ـ هى أسماء فقط ما أنزل الله بها من سلطان ، أى ليس لها واقع ، والمعرفة بها معرفة ظنية ، يعنى إن سئل الكفار عنها يقولون عنها أشياء بالظن ولا يوصفون واقعا ، وظنهم بحسب هواهم ، أى وفق أمزجتهم ورغباتهم. والآيات إذن تذم هذه الآلهة أو بالأحرى الإلاهات ، لأنهم إناث وليسوا ذكورا ، والقرآن يعيب على الكفار أنهم جعلوا الآلهة شركاء الله إناثا ولم يجعلوهم ذكورا ، مع أنهم لا يحبون أن تكون لهم الإناث ويؤثرون عليهن الذكور ، فلما ذا يجعلون لله ما
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
