يكرهون لأنفسهم؟ ويصف القرآن ذلك بأنه ليس عدلا منهم ، فهل بعد هذا الذم يأتى الله تعالى بمدح لهذه الإلاهات يناقض الذم السابق ، فيصفها تعالى بأنها غرانيق علا ترتجى شفاعتهن؟!! ومن جهة أخرى فلو أمعنا العقل فى هاتين العبارتين المضافتين «تلك الغرانيق العلا ، وإن شفاعتهن لترتجى» فقد لا نرى أن المعنى فيهما متعارض مع السياق ، فالعبارتان تقالان من باب السخرية والازدراء لأسماء اللات والعزى ومناة ، فيكون المعنى : اللات والعزى وهذه المناة الأخرى ، اللاتى يقولون إن شفاعتهن ترتجى!! وهى طريقة فى الكلام نسمعها كثيرا فى العامية كلما أراد المتحدث التهوين من شأن شىء ما ، وتكون العبارتان إذن ذما شكلا وموضوعا ، وليس بهن أى مدح ولو أقل القليل.
وهذه الفرية أو التشنيعة التى شارك فيها الأقدمون والمحدثون ، أحزنت النبىّ صلىاللهعليهوسلم فى وقتها لما أثارته من الشبهات ، وما سببته من الفتن. وقد ربط البعض لذلك بين هذه الحادثة وبين آيتين ، الأولى : (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً) (٧٥) (الإسراء) ؛ والثانية : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٥٢) (الحج) ، والآيتان نزلتا فى أمور أخرى وليست لهما صلة بهذه الحادثة ، فلا يحتج بهما على أن حادثة الغرانيق هذه قد جرت فعلا ، وسنتناول الآيتين بعد الانتهاء من حكاية الغرانيق ، وسياقهما مختلف تماما ، وقوله تعالى فى الأولى : (كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) ليس معناها أنهم قاربوا أن يحققوا لأنفسهم ذلك ، وإنما أنهم حاولوا من خلال إنصاته لهم ، ولم يفلحوا أن يفتنوه لأنه معصوم ومثبّت من الله. فكما ترى الآية تحكى عن شىء آخر ، ومع ذلك فهى بإزاء الحكاية التى نحن بصددها تؤكد استحالة وقوعها ، لأنه مع العصمة والثبات لا يمكن أن يلقى شيطان على لسانه صلىاللهعليهوسلم شيئا مخالفا لمطلوبه تعالى. وكذلك فإن الآية الثانية تؤكد أن محاولات شياطين الإنس والجن لم تتوقف عن التشويش على النبىّ صلىاللهعليهوسلم فى رسالته ، ومعنى : (إِلَّا إِذا تَمَنَّى) أى حدّث ، ومعنى : (أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) أى فى حديثه ، (فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) أى يبطله. والآية موضوعها ليس الغرانيق ، إلا أنها كذلك تؤكد أن حادثة الغرانيق هذه ما كان يمكن أن تحدث للنبىّ صلىاللهعليهوسلم بالطريقة التى رووا عنها ، ولذلك فقد حاول آخرون روايتها بطريقة مختلفة ، فذكر الكلبى أن النبىّ لمّا بلغ : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) (٢٠) لبّس عليه الشيطان أن يضيف «والغرانقة العلا وإن شفاعتهن لترتجى» ، وفسّر الغرانقة بالملائكة. ولم ير القشيرى هذا
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
