الضعفاء ، فقدّموا ، وأخّر الدّين ، لأنه حظ الأقوياء الأغنياء ، والدائن صاحب قوة وسلطان ومعه القانون ، والوارث مسكين وأمره متروك للوصية. وأيضا فإن كتابة الوصية مكلف بها الموصى ، وهو ينشئها من قبل نفسه ، فلذلك قدّمت ، وأما الدّين فثابت وسيؤدّى حتما فأخّر.
* * *
٤٧٨. الزعم بأن بعض الفروض كانت على النبىّ خاصة وغير ملزمة بعده
قالوا فى قوله تعالى : (وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) (١٠٢) (النساء) أن المقصود بالآية النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، فليس عليهم بعده صلىاللهعليهوسلم «صلاة الخوف» ، لأن الخطاب فى الآية كان خاصا به وحده ، بقوله تعالى (وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ) ، و (مَعَكَ) ، فإذا لم يكن فيهم ومعهم لم يكن لهم ذلك ، لأنه لا أحد مثله منهم ، وكانوا جميعا يتمنون أن يأتمّوا به ويصلّوا خلفه ، وليس أحد يقوم فى الفضل مقامه بعده.
والردّ على هؤلاء : أن الخطاب صحيح للنبىّ صلىاللهعليهوسلم ، ولكنه يتناول الأئمة بعده إلى يوم القيامة ، ومثله قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) (١٠٣) (التوبة) ، فهل تسقط الصدقة بعده؟ أو أن المكلّف بها بعده هم أولو الأمر؟ وكذلك هذه الصلاة وسائر العبادات التى كان الخطاب فيها للنبىّ صلىاللهعليهوسلم ، لا تسقط بوفاته. وقد أمرنا باتباعه والتأسّى به ، فقال تعالى : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) (٦٣) (النور) ، وقال صلىاللهعليهوسلم : «صلوا كما رأيتمونى أصلى» أخرجه البخارى ، فلزم اتّباعه. ولو كان ما قالوه دليلا على الخصوص ، للزم قصر الخطابات على من توجهت له ، وحينئذ كان يلزم أن تقتصر الشريعة على من خوطب بها ، وفى قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) (١٠٣) لا توجب الاقتصار على النبىّ صلىاللهعليهوسلم وحده ، فكان من بعده من قام مقامه.
* * *
٤٧٩. فى معنى قوله تعالى : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها (٦)) (هود)
ظاهر الآية العموم ، ومعناها الخصوص ، والكثير من الدواب تهلك قبل أن ترزق ، إلا أن الرزق أشمل وأعمّ من أن يقتصر على كل دابة لا ترزق ما تتعيش به ، فقد رزقنا الأعضاء ، والفطرة ، والحيلة التى يمكن بها أن نتحصل الرزق ، فعلى العصفور أن يطير إلى الجرن ليجد رزقه فيه ، وإلا فسيموت فى عشّه ، والله تعالى أعدّ للجميع أرزاقهم. والدابة هى كل حيوان يدبّ ، والرزق حقيقته ما يتغذى به الحىّ ويكون فيه بقاؤه ونماؤه. وقد قيل
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
