كالبنيان ، فلا تعاب بذلك ، فإن كان بها نقصان فهو النقصان المقيّد ، يعنى أن كل تشريع فى كل ديانة يلحقه آخر وينضم إليه ، فلا يقال أن الديانة كانت قبل التشريع الآخر ناقصة ، كالإنسان يبلغ المائة ، فيقال إن الله أكمل عمره ، ولا يقال أنه وقت أن كان فى الستين من عمره كان ناقصا نقص قصور وخلل ، وإنما قد يقال كان ناقصا نقصا مقيّدا ، يعنى كان ناقصا عمّا كان الله قد أعدّ له من العمر. وقد جعل الله تعالى صلاة الظهر أربعا ، وكذلك العصر والعشاء ، فهل تعتبر صلاة الصبح ناقصة نقص قصور وخلل ، لأنها ركعتان وليست أربعا؟ ولو قيل كانت ناقصة وحدها كصلاة دون أن تضم إليها سائر الصلوات ، لكان صحيحا ، وهكذا شرائع الإسلام ، فلقد أنزلها الله تعالى شيئا فشيئا إلى المنتهى الذى أصبح الدين عنده كاملا.
وقد يكون معنى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (٣) (المائدة) أنه تعالى وفّقهم للحج الذى لم يتبق غيره عليهم من أركان الدين ، فلما حجّوا تحقق لهم أداء كافة الأركان ، وفى الحديث : «بنى الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمد رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، وصوم رمضان» ، فلما كانوا قد سبق لهم التشهّد ، وصلّوا ، وزكّوا ، وصاموا ، وجاهدوا ، واعتمروا ، ولم يكونوا قد حجّوا ، فلما حجّوا ذلك اليوم مع النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، أنزل الله تعالى وهم بالموقف عشية عرفة : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) (٣) (المائدة) ، يريد أنه قد اكتملت لهم أركان الدين ، وبها يقوم الإسلام ، ومن ثم أعلمهم برضاه بما تحقق لهم منه فقال : (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (٣) (المائدة) ، فى ذلك اليوم ، وفى أى يوم ، فلا يزال رضاه به علينا قائما ، ولا يزال الإسلام برضاه عنا باقيا بكماله. والحمد لله ربّ العالمين.
* * *
٤٧٧. الوصية وحكمة تقديمها على الدّين فى آية المواريث
المعقول فى الآية : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ) (١١) (النساء) أن يأتى ذكر الدّين قبل ذكر الوصية ، والنّبى صلىاللهعليهوسلم قضى بالدين قبل الوصية ، وقال : «الدّين قبل الوصية» أخرجه الدارقطنى ، إلا أن القرآن يأتى بالوصية قبل الدين من وجوه : أنه لا يعرف الدّين إلا من الوصية ، فالوصية أشمل والدّين أخصّ ، وفى الوصية ينصّ على الدين ، ثم إن الوصية ألزم للميت ، وليس كل ميّت له أو عليه دين ، فالدّين شذوذ ، وقد يكون أو لا يكون ، فبدئ بذكر ما لا بد منه ، وعطف بالذى قد يقع أحيانا ، فكان العاطف بأو وليس بالواو ، ولو كان الدّين راتبا لعطفه بالواو. والوصية حظ أهل الميت من الوالدين والأقربين ، وهم
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
