لبعض الفلاسفة : من أين تأكل؟ فقال : الذى خلق الرّحى يأتيها بالطحين ، والذى شدّق الأشداق (يعنى جوانب الفم) هو خالق الأرزاق ـ وقيل لبعض العارفين : من أين تأكل؟ فقال : سبحان الله والله أكبر. إن الله يرزق الكلب ، أفلا يرزقنى؟! ـ وقيل للصوفى الكبير حاتم الأصم : من أين تأكل؟ فقال : من عند الله. فقيل له : الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء؟ فقال : كأن الله ليس له إلا السماء؟! يا هذا ـ الأرض له ، والسماء له ، فإن لم يؤتنى رزقى من السماء ساقه لى من الأرض ، وأنشد :
|
وكيف أخاف الفقر والله رازقى |
|
ورازق هذا الخلق فى العسر واليسر |
|
تكفّل بالأرزاق للخلق كلهم |
|
وللضّب فى البيداء والحوت فى البحر |
والمشكلة أن الإنسان يسرق رزق أخيه الإنسان ، وأن الرأسمالى يحصل على رزقه ويستولى على أرزاق الآلاف غيره ، يسرقهم بخسف الأجور ، وتسرقهم الدولة المستبدة بترسيخ سوء توزيع الثروة الاجتماعية ، وعلى العكس تتدخل الحكومات الديموقراطية بالتشريعات لحماية الحقوق وتقريب الفوارق فى الدخول ، وإلا اختل الميزان الاجتماعى ، ومال العدل عن القصد ، وساد الجور والظلم ، وعمّ الفساد ، والله يقول : (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ) (٩) (الرحمن) ، أى : اجعلوا «العدل أساس الملك ، وأساس علاقاتكم الاجتماعية ، وأتوا الناس ما يستحقونه وجعله الله لهم رزقا ، ولا تبخسوهم منه شيئا ، وزنوا بالقسطاس المستقيم».
* * *
٤٨٠. فى معنى قوله تعالى (يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ (٣١))
يكثر المستشرقون من نقد القرآن من خلال آيات كهذه الآية : (يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) (٣١) (المدثر) ، وتتكرر فى القرآن سبع عشرة مرة ، ويقوم نقدهم على أن القرآن متناقض فهو ينسب الضلالة والهدى لله ، ومع ذلك يخيّر الناس أن يضلوا أو يهتدوا. والآية لا تعنى أن الله يضل أو يضلّل الناس عن هداه ، ويهديهم عن هواه ، أو أنه تعالى يجبر من يضلّ أو يضلّل ، على الضلال ، ويقسر من يهدى على الهدى ، أو أنه يكره الناس على سلوك سبيل الخير أو الشر ، فالإكراه من هذا القبيل ينافى العدل الإلهى ، ويناقض حكمة التشريع السماوى ، ولا يتفق مع نصوص الشريعة المتواترة القاطعة ، ومؤدّاها أن كل الناس لهم حق الاختيار ، وأنهم يملكون إرادتهم ، ولهم مشيئتهم ، والإرادة والمشيئة مناط التكليف والمؤاخذة ، وفى ذلك يروى أن رجلا سأل على بن أبى طالب : أكان سيرك إلى الشام ـ يعنى لقتال أهلها ـ بقضاء الله وقدره؟ فقال له علىّ : ويحك! لعلك ظننت قضاء لازما ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
