مخاطباته للناس قصيرة موجزة تناسب أفهامهم ، لأن ثقافتهم كانت ثقافة بدوية ، وحضارتهم كانت حضارة وثنية متخلّفة ، بينما كان الناس فى المدينة أهل كتاب غالبا ، ولهم دراية بالتوحيد ، وأصحاب تشريعات وفلسفة ، وثقافتهم ثقافة عبرانية غالبا ، فكان على محمد صلىاللهعليهوسلم أن يرتقى إلى مستواهم ، وأن يخاطبهم بما ينبغى لهم ، فهذا هو سبب اختلاف أسلوب السور المدنية عن السور المكية. وهذا غير صحيح ، فهناك سور طويلة مكية مثل سورة : الأنعام والأعراف والكهف ، فليست كل السور المكية قصيرة ، وكذلك ليست كل السور المدنية طويلة ، فالنصر مثلا مدنية ، وقيل إنها آخر سورة مدنية ، وآياتها ثلاث آيات فقط! وبعض السور المكية فيها من الروح العامة من السور المدنية ، وأيضا فإن الروح المكية تنضح فى بعض السور المدنية ، لأن الصلة معقودة بين السور هنا وهناك ، والتناسب كذلك مطلوب فيهما ، فكل سورة لها مقاصدها وما يناسبها من الأسلوب ، بحسب موضوعاتها ، والمهم أن القرآن على طوله ، عبارة عن سلسلة متصلة الحلقات من الآيات والسور المحكمة ، كالعقد ، حبّاته هنا أو هناك تكون أصغر أو أكبر لتكوّن معا فى النهاية نظما متكاملا متناسقا رضيا. ثم إن القصر فى السور ليس دليل انحطاط ثقافى ، وإنما مظهر إيجاز لا يتوفر إلا لقوم يمتازون بالذكاء والفهم ، كما أن التطويل مظهر إطناب لا يقصد به إلا أن يفهم الذين يتأبّون على الفهم ويستعصى عليهم الإدراك بسرعة. واليهود فى التوراة يميلون إلى التطويل ، واشتكى أنبياؤهم من شدّة غبائهم وعنادهم وجحودهم ، وحاجتهم إلى الشرح الكثير ، والتفسير المطنب ، ولو كان أهل المدينة أذكى من أهل مكة ، فلما ذا لم يستطيعوا أن يأتوا بمثل سورة من القرآن أو حتى آية ، وقد أعيا ذلك أهل مكة منحطّى الثقافة؟!
* * *
٤٥٣. شبهة أن الشريعة كانت فى المدينة بسبب اليهود
من أكاذيب المستشرقين أنه لو لا وجود اليهود فى المدينة لما كانت التشريعات التى حفلت بها السّور المدنية. ولو كان هذا صحيحا ، وكان لليهود هذا الأثر الإيجابى الإنشائى على الإسلام ، فلما ذا لم يكن لهم هذا الأثر على عرب المدينة ، وعلى عرب الجزيرة كلها قبل الإسلام؟ ثم إن القرآن لم يأخذ منهم ، وإنما جاء لإصلاح ما هو قائم وفاسد عندهم ، سواء فى العقيدة ، أو فى التحليل والتحريم ، فكيف يستدين المصيب من المخطئ؟ وكيف يرجع من هو على صواب إلى من هو على خطأ؟ والأصل فى الحضارات أنها تكون فى بدايتها بسيطة وتؤكد على الكليات ، ثم تتفرع منها إلى الجزئيات والتفاصيل ، وهكذا كان الإسلام فى مكة يهتم بالعقيدة ، ثم فى المدينة استكمل التشريع ؛ وحتى وهو فى مكة لم
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
