الآيات الكونية فى القرآن عن «دليل غائى» ، قوامه أن وراء هذا التناسق والتناغم والنظام لا بد من علّة عاقلة تتولى الخلق والتدبير والتنظيم. والإنسان وهو قمة الموجودات والمخلوقات ، كلما يتصور للأشياء علّة ، يذهب فى تصوره إلى ما هو أبعد منها وهكذا ، وكل ما هو عظيم فى لحظة يأتى على الإنسان أن يجد له الأعظم منه ، وما من شىء يظن به العقل الكمال إلا ويتطلع أن يجد ما هو أكمل منه ، إلى نهاية النهايات ، أى المطلق الكامل الذى لا شىء أكمل منه ، ولا مزيد على كماله ، ولا نقص فيه. وهذا التصوّر لهذا الموجود الأكمل والأعظم والأجمل هو واقع نأتيه فعلا ، وليس وجوده فى الحقيقة بأقل من وجوده فى التصور ، وهذا الموجود الأكمل هو الله : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (١١) (الشورى) ، والبرهان على وجوده تعالى نسميه «برهان الكمال» ، لأننا به ننشد «الكمال» ولا نقنع بالأدنى ، وهو أيضا «برهان الاستكمال» ، لأننا به نستكمل النقص بما هو أكمل ، وهو كذلك «برهان الاستعلاء» ، لأننا به نستعلى على النقص ونصاعد علوا إلى الكامل الأمثل. وشبيه بذلك أن الفكرة قد تطرأ وتلح على عقولنا حتى نستكملها موضوعيا ، وحتى يصبح لها وجودها فى تصوّرنا ، فعندئذ نعرف أن هذا الوجود أو الكمال للفكرة لم يكن على جهة الصورة ، ولم نكن نحن علّته ، ويلزم بالضرورة أن نستشعر وندرك ونعى ، أننا لسنا فى العالم وحدنا ، وأن هناك موجود آخر أسمى هو علّة هذه الفكرة. وفكرة الله من ذلك ، فكلما نتأملها ونفكر فيما قيل فيها وعنها ، ندرك إدراكا قويا لا يخامره الشك ، أن هذه الفكرة لا يمكن أن تكون نحن وحدنا مصدرها ، ولا يمكن إلا أن يكون لها ما يقابلها فى عالم الواقع والحقيقة ، ولا بد إذن أن الله موجود ، وأنه واحد لا شريك له.
وهذه البراهين جميعها يحفل القرآن بالأمثلة لها ، بعضها مباشر وأوردنا نماذج له ، وبعضها غير مباشر نبّهنا إليه بإيراد السورة ورقم الآية ولم نوردها بألفاظها. وكل هذه الحجج والبراهين والأدلة لها هدف واحد ، هو إبطال حجة الناس أنهم ما بلغتهم رسالته تعالى ، أو أنهم لم يعثروا على ما يدحض جحودهم ويهديهم. ونحمد الله تعالى على القرآن الذى علّمنا ونوّرنا وهدانا ، فأين منه التوراة التى تشتتنا ، وتثير فينا النعرات ، وتضللنا عن الله؟ وأين منه الأناجيل التى تفترى على الله أعظم فرية ، وتضل الناس ، وتطفىء فيهم نور العقل ، وتدخلهم فى متاهات وتلفيقات ، لا هى من الفلسفة ، ولا من العلم ، ولا من الدين فى شىء؟! ، وحسبنا الله!
* * *
٣٣٠. برهان الخلق
الله يخلق ، وما دونه ، ومن دونه ، لا يخلقون ولكنهم مخلوقون ، وهذا هو الفرق.
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
