أسمى درجة ، وطالما أننا نعدّ الشخصية هى القيمة العليا ، وهى بمثابة روح الروح أو الذات ، فإن المطلق ليس سوى الإله المتشخص ، والذى نعرفه باسم الله ، وهو ذات محض. وليس معنى المطلق أنه المستبدّ بلا معقولية ولا خيرية ، فالمطلق الذى هو الله ليس ضد الحرية ، ولا تعارض بين سلطته وبين الحرية ، وسلطته تعالى هى ما نسميه بالشريعة الإسلامية ، وهى شريعة لأن الله تعالى بخيريته شرعها واستنّها لتعزيز الحرية وخدمتها وضمانها. والحرية فى جوهرها أخلاقية ، وهى أن نفعل أو لا نفعل ، وكل فعل فى حدود الشريعة ـ يتوخاه الإنسان الحر ، صاحب الضمير الحرّ ، والمقدّر للمسئولية ، والذى لا يصدر عن هوى ، والذى يستلهم القيم ، ويعايش كل آية فى القرآن ؛ وهو الربّانى الذى اختار الطريق إلى الله ، ويتمثّله تعالى فيما أمر ونهى ، والله أو المثل الأعلى الإلهى ، يجب أن يكون فى وعى كل مسلم حرّ ، لأنه تعالى الموجود لذاته أو المطلق ، ونوره المشع الذى هو القرآن ، عند ما تستضيئه الضمائر الجزئية ، فإن حرية هذه الضمائر تظهر فى ممارساتها على موضوعاتها ، ويتبدّى نورها على أنفسها ، ونكون بذلك قد حذونا حذو الله ، أى نكون ربّانيين ، ونعيش الله فى أنفسنا ، وفى العالم المحيط بنا ، أى يكون الأنا الجزئى فينا صورة أو انعكاسا للأنا الإلهى الأعلى. والربّانيون لا يقضون إلا بما يقضى به الله ، وهم دليل وجوده تعالى ، لأنهم خلفاؤه (المائدة ٤٤) ، وما كانوا كذلك إلا لأنه تعالى موجود فكانوا خلفاءه ، والموجودات فى هذا العالم واحدة من ثلاثة : فإما أنها واجبة الوجود ، أى أن وجودها من ذاتها ، أو أنها ممكنة الوجود ، أى وجودها من غيرها ، فلا توجد إلا بسبب ، ولا تنعدم إلا بسبب ، أى أن وجودها يكون محدثا ، والمحدثات إذا كانت تحتاج لأسباب لوجودها ، فهى محتاجة أيضا لأسباب لبقائها ، وفى جميع الأحوال تحتاج لموجد لها ، سواء فى إيجادها الابتدائى ، أو فى حفظ بقائها بعد ذلك ، أو فى إعدامها. ووجود الممكن يقتضى بالضرورة وجود الواجب ، وهو الذى وجوده من ذاته ولذاته ، وبدون سبب ، وليس بعرض ، ولا علّة له ، ويتّصف بصفات الكمال كلّها ، وهو واحد لا يتعدد ، وهو الله ، لم يلد ، ولم يولد ، ولا شريك له ، ولم يكن له كفو ، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى. وكل الموجودات التى ذكرها القرآن أو لم يذكرها لها علل فاعلة ، والله هو الموجود الوحيد فى القرآن الذى هو علة نفسه وليس علّة لغيره ، وهو العلّة الأولى التى تنتهى إليها كل العلل ، فهو علّة العلل. وكل آيات الخلق فى القرآن تجزم بوجود الكون على نظام ، وأنه كله يشمله الانسجام ، وهو نسق من الوسائل والغايات ، فكيف حدث ذلك والمادة عاجزة عن تدبير نفسها بنفسها إن لم يكن الذى أحدثها هو الله علّة العلل ، والمحدث الأول؟ وتتحدث
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
