وعند ما نقول إن الإنسان خالق ، نعنى أنه مخترع ، لأنه لا يخلق من عدم ، ولم يخلق المادة التى صاغها ، ولا القوانين التى سار على نهجها. ويقول تعالى منكرا دعوى الخالقين المزعومين : (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (٢١) (النحل) ، يعنى بهم الأصنام لا روح فيها ، وحتى إن قيل كان عيسى يخلق ، نقول بإذن الله ، وإلا فأين هو عيسى؟ وأين خلقه؟ وإذا قيل إن علماء الاستنساخ وإنما الله خلقه مستمر وللأبد ، وما كان عيسى ولا علماء الاستنساخ يخلقون من عدم ، والله تعالى يخلق من عدم ، كقوله تعالى : (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (١٧) (النحل) ، وقوله : (هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) (١١) (لقمان) ، وقوله : (أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) (٤٠) (فاطر).
* * *
٣٣١. خلق الإنسان دليل على البعث
فى قوله : (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ) (٨) (الطارق) أن ابن آدم لو تأمل مما خلق لأدرك أن من قدر على ذلك قادر على أن يبعث الموتى ، فالإنسان قبل الخلق لم يكن شيئا مذكورا ، وما كان إلا ماء تدفق من بين صلب الرجل وترائب المرأة ، وهو بعد الموت لا يصبح شيئا مذكورا ، فهذه كتلك ، والقادر على الخلق من العدم فى الحالين هو الله ، وهو يقدر أن يعيد الموتى إلى الحياة بعد بعثهم فى الآخرة.
* * *
٣٣٢. برهان على البعث
هو قوله تعالى : (قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً) (٥١) (الإسراء) ، يعنى : قل لهم يا محمد ، كونوا على جهة التعجيز ، حجارة أو حديدا ، أو أى شىء مما هو كبير عندكم بدلا من أن تكونوا عظاما ، فلن تفوتوا الله إن أرادكم ، وسيبعثكم كما خلقكم أول مرة ، وسيلوون رءوسهم عجبا ، ويسألون مستهزئين : متى هذا البعث؟ فقل عسى أن يكون فى القريب. وعسى واجب ، يعنى أن البعث سيكون قصر الزمن أو طال.
وفى الآية : (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ) (١١) (الزخرف) ، يدلل على قدرته تعالى على بعث الموتى ، وشبّهت الآية الموتى بالأرض الميتة ، ينزل عليها المطر فتبعث الحياة فيها ، وتخضر وتخرج الزرع ، ومن يقدر على البعث الثانى
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
