وجميلا لنبحث فيه عن ذلك القسطاس ، ويكفى أن يكون فى العالم أقل الحق والخير والجمال ، لنتحرى ونفتش ونبحث فى أذهاننا عن ذلك القسطاس ، الذى هو المرجع الأعلى لنا فى الحكم على الأشياء بالحقّية ، أو الخيريّة ، أو بالجمال ، والثلاثة وجوه لموجود واحد هو الله ، ولو لم يكن حبّ ذلك فى الإنسان مركوزا لما درى ما الحق ، وما الخير ، وما الجمال ، ولما عرف أن يقيس ، ولا أن يحكم ، ولا أن يفاضل ، وفى القرآن ثبت ذلك كله وأكثر منه. وقول الملحدين ، أو المنكرين ، أو اليهود ، أو الشيوعيين ، أو العلمانيين ، والتنويريين ، أو الليبراليين إلخ ، بأن الحق والباطل والخير ، والشر ، والجمال ، والقبح ، مسائل نستمدها من طبيعة الأشياء ، وأنه من طبيعة الأفعال أن الفعل السيئ يعود على صاحبه بالعقاب ، والفعل الخيّر يعود عليه بالخير ، وأنه لا شأن لوجود الله أو عدم وجوده بذلك ، هو ضحالة فى التفكير المادى المسرف ، وعجز عن القدرة على التجريد ، وقصور فى الوصول بالقضايا إلى أصولها ، فالطبيعة من حولنا ، وفى الأشياء ، لا تجازى من نفسها على الخير ، ولا تعاقب على الشر ، ولا تستحسن الجمال ، ولا تستهجن القبح ، ولا تبطل الباطل ، ولا تحقّ الحق ، ويكون من الضرورى إذن القول بأن فوق الطبيعة أو وراء الطبيعة ، لا بد من موجود عادل يجازى على الخير ، ويعاقب على الشر ، وينصر الحق ، ويصنع الجمال صنعا ، وأنه الذى يخلق فيبدع ، ويمايز بين الحق والباطل ، والخير والشر ، والجمال والقبح ، وأن الشر ، والظلم والقبح جميعها عن نقص فى الأشياء وفى الأفهام ، ولو لا أن القبح والشر والباطل أشياء موجودة ، لما عرفنا وقدّرنا ، وطلبنا الخير والجمال والحق ، ولو لا ذلك لما علمنا عن العدل فى بحثنا عنه وسعينا إليه وطلبنا له ، وهذه القيم هى الميزان للوجود بأسره ، كقوله تعالى : (اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ) (١٧) (الشورى) ، وقوله : (وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (٢٥) (الحديد) ، وقوله : (وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ) (٩) (الرحمن). وإذن ـ وطبقا للقرآن ، فلكى تكون هناك سعادة لا بد من وجود خير ، وفضيلة ، وحق ، وجمال ، وعدالة ، وإجمالا لا بد من القيم ، وجميعها تترابط ويستلزم بعضها البعض ، وتواجدها مترابطة ليس استنباطا تحليليا ، ولكنه تركيب متعال ، يقتضى وجود علّة عليا تتجاوز الماديات بالذهن والإرادة ، وتتطابق مع النية الأخلاقية ، ويكون لها العلم كله ، والقدرة كلها ، أى يقتضى وجود الله ، ولم توجد القيم إلا لأنها تستمد من قيمة عليا مطلقة ، والقيمة التى بالمعنى الأتمّ هى الله ، وليس المطلق فى القرآن إلا القيمة المطلقة ، ومن أجل ذلك كان الله واحدا لا شريك له ، فالقيمة المطلقة يجب أن تكون لها شخصية إلى
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
