دون سائر المخلوقات مشيئة وإرادة ، وأنه حرّ أن يختار ، فمن أين عرف الإنسان الحق والعدل إن لم يكن فى الوجود قسطاس ومعيار لهذا الحق وذاك العدل ، يغرس فى نفسه معنى الحرية ، ويمنحه الوعى بالواجب والمسئولية ، وينمّى لديه الضمير يزعه خلقيا؟ ومن أين قرّ فى طبع الإنسان ، أن الواجب الكريه لديه ، أولى به من إطاعة الهوى المحبب إليه؟ وآيات القرآن كثيرة فى النهى عن الهوى ، كقوله : (فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا) (١٣٥) (النساء) ، وقوله : (وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا) (٧٧) (المائدة). والوازع الخلقى أو النفس اللّوامة ، أو الضمير ، هو المقصود بالآية : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (٤) (القلم) ، والخلق هو الضمير ، أو علامة الواجب فى الإنسان ، والبرهان الخلقى فى القرآن يجزم بأن للخلق فى الإنسان حاسة تضاف إلى بقية حواسه ، وفقدان هذه الحاسة جنون خلقى ، فمثل ما المجنون عقلا هو من لا تمييز له ، فكذلك المجنون خلقا لا يصدر عن حق (المؤمنون ٧٠) ، واسمه فى علوم النفس والطب النفسى «السيكوباتى» ، وكان أبو جهل من المجانين خلقيا ، وسيكوباتيا من الطراز الأول ، فكان يلبس الحق بالباطل ، ويكتم الحق ، واليهود يعانون هذا الجنون الخلقى ، فقتلوا النبيين بغير حق ، وقتلوا الذين أمروا بالقسط من الناس ، وما يزال ذلك دأبهم ، وبوش الابن مثله مثل شارون وهتلر ، لا خلق له ولا ضمير ، ومثل ذلك الطغاة فى العالم قاطبة : شارون ، وبوش ، وبلير ، وبوتين. والخلق ، أو الضمير ، أو الوازع الخلقى ، أو النفس اللّوامة ، قبس من الله فى الإنسان ، ودليل على أن الإنسان أرقى الكائنات ، وما كان رقيّه إلا بالضمير الممثّل لله فى كل إنسان ، وفى ذلك قوله تعالى : (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (٢١) (الذاريات). والمسلم ذو خلق عال ، وترتيبه فى مدرج الرقى الحضارى فى الذرى ، وأقواله وأفعاله هى الحسنى (البقرة).
وشبيه بالبرهان الخلقى : «برهان الحق والجمال والخير» ، فالإنسان والطبيعة حافلان بمحاسن الجمال وأوجه الخير والحق ، وما أكثر الآيات عن ذلك فى القرآن ، والإنسان نفسه آية من آيات هذا الجمال والخير والحق ، وصدق الله العظيم حين قال : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (٤) (التين) ، وحين قال : (صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (٦٤) (غافر) ، وحين قال : (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) (١١٤) (آل عمران) ، وحين قال : (وَتَواصَوْا بِالْحَقِ) (٢) (العصر). وفى القرآن أن الإنسان يفاضل بين الخيرات ووجوه الجمال فيما يقول ويفعل ، وما كانت المفاضلة تتسنّى له لو لم يكن لديه قسطاس شامل يقيس إليه ما يعنّ له من المفاضلات بين أوجه الحق والخير والجمال ، وهى تتراتب صعودا إلى مصدرها الأصلى وهو الله ، وليس شرطا أن يكون كل شىء فى الكون خيّرا
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
