الاجتماعى على وجود الله ،» ومنه فى القرآن قوله : (وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا) (١٣) (الحجرات) ، وقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ) (١٧٨) (البقرة) ، وقوله : (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ) (١٧٩) (البقرة) ، وقوله : (هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ) (٦٠) (الرحمن). والإنسان بحكم تجاربه وخبراته بوجوده تعالى كموجود أعظم يقوم عليه وجود الكون ، قد نبّه إلى برهان آخر هو «برهان الوعى» ، قوامه هذا الوعى اليقينى بحقيقة الله الذاتية وبالحقيقة الكونية ، والوعى لا يتناقض مع العقل ، وهو أعمّ من العقل فى إدراكه ، لأنه مستمد من كيان الإنسان كله ، ومن ظاهره وباطنه ، وبتعبير القرآن : (وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ) (١٢) (الحاقة) ، والأذن الواعية هى الذاكرة ، والذاكرة أداتها العقل ، وهى أكبر من العقل ، والذاكرة الجماعية للإنسان ـ لنفسه ولغيره ـ إجمالية ، ويبقى التفصيل للعقل. والإنسان الواعى هو «الحرّ» (البقرة ١٧٨) ، والحرية انفكاك من قيود العبودية ، ومن العوارض والشهوات والعلائق ، والإنسان الذى يصير إلى ذلك هو «المحرّر» بتعبير القرآن (آل عمران ٣٥) أى الخالص لله ، و «برهان الحرية» على وجود الله يقوم على القول : بأن الإنسان إذا تحرر واستشعر أنه حرّ ، وأن له أن يعتقد أو لا يعتقد ، كقوله تعالى : (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) (٢٩) (الكهف) ، يأتيه اليقين بوجود الله ، فالحرية والاعتقاد بالله لا ينفصلان ، ولا اعتقاد بالله بلا حرية ، وكل حرية حقيقية فمآل صاحبها إلى الاعتقاد ، ويقين الحر أنه من حيث كونه حرا ، لا يوجد بواسطة ذاته ، ولكنه معطى لذاته ، وحريته من غيره ، من موجود أكبر وأعظم ـ حريته من ذاته. والإنسان لا يستخلص الحرية لنفسه بالقوة ، وإنما تتأتى الحرية له بالعلوّ ، وترتبط بالتحرر من العلائق الدنيوية والحاجات اليومية ، ومن يحقق لنفسه ذلك العلو يخلص بحريته لذاته ، فإذا استشعر أنه حر ، فعندئذ يعى أنه مخلوق لموجود هو الذى منحه الذات ، كقوله : (فَخَلَقَ فَسَوَّى) (٣٨) (القيامة) ، وقوله : (ثُمَّ سَوَّاكَ) (٣٧) (الكهف) ، وقوله : (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) (٩) (السجدة) أى أعطاه الذات ، فالمعطى هو الذات ، وهو معنى فسوّى ، والذى له ذات هو الكامل ، ولا يكون الإنسان كاملا إلا باكتماله بالذات ، والذات هى تمام كماله. وعند ما يكون الإنسان حرا لا توجهه الأهواء ولا الأضاليل ، يعى أنه مخلوق لموجود هو الذى منحه هذه الذات ، وهيأ له العلو ، وأوجد له المثال أن يصوغ نفسه على المنوال ، والمثال ـ كما يذكره القرآن ـ هو النبىّ صلىاللهعليهوسلم الذى خلقه القرآن ، فالإنسان الكامل محكوم عليه منذ البداية أن يكون ربّانيا ، وحريته تعنى أن الله موجود. وليس أدل على وجود الله من الوازع الخلقى فى الإنسان ، وهو النفس اللّوامة ، وهو الضمير ، والشعور بالواجب وبالمسئولية ، وبأن للإنسان
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
