هو «دليل العناية». وتأتى آيات القرآن على ثلاثة أنواع ، فإما أنها «أدلة اختراع» ، وإما أنها «أدلة عناية» وإما أنها تجمع الأمرين معا ، فمن النوع الأول : قوله تعالى : (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ) (٦) (الطارق) ، وقوله : (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) (١٧) (الغاشية) ؛ ومن النوع الثانى : قوله : (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً) (٦) (النبأ) ، وقوله : (تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً) (٦١) (الفرقان) ؛ ومن النوع الثالث قوله : (وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً) (٣٢) (الأنبياء).
ونطلق على دليل القرآن من مثل قوله تعالى : (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) (١٩) (الروم) وقوله : (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٧٨) (النحل) : «برهان ظهور الحياة فى المادة» ، وهو برهان يبطل قول القائلين بقيام الكون على المادة العمياء دون غيرها ، ونختصره باسم «برهان الحياة». ونطلق على الدليل من مثل قوله تعالى : (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً) (١١) (الشورى) ، وقوله : (وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (٧) (ق) : «برهان التناسل بين الأحياء لدوام البقاء» ، ونختصره باسم «برهان النسل».
وينبّه القرآن إلى صورة الإنسان نفسه ، وهى أكبر حجة لله على خلقه ، وأقرب وأوضح وأصحّ الأدلة. والقرآن على القول بأن طريق معرفة وجود الله عند الإنسان هو السمع والعقل معا ، فالإيمان يكفى فيه أن يتلقى الناس بالسمع عن صاحب الشرع ، وأن يؤمنوا به ، وأما من يشاقق فى الشرع فله طريق العقل ، وبالعقل عرف العرب قبل الإسلام أن الله موجود ، يقول تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) (٢٥) (لقمان) ، وقولهم هذا نسميه «الدليل البديهى» ، فالله تعالى لا يحتاج إلى البرهنة على وجوده ، والإيمان به فطرة ، والعلم بوجوده علم بديهى ، والإنسان على العهد بأنه كلما أصابته مصيبة أظهرت عجزه ، فإنه ينطق تلقائيا بالدعوة إلى الله يتضرع إليه. والمؤمنون لا يعتمدون على العقل ولا النقل ليؤمنوا بالله ، فالإيمان بوجوده تعالى يلقى فى القلب ، ويعيه العقل عند ما يتجرّد الإنسان من عوارض الشهوة ، وفى القرآن أمثلة على ذلك كثيرة ، كقوله : (إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) (٢٩) (الأنفال) والمركوز فى الإنسان أنه لكى يصحّ اجتماعه فلا بد من الأخذ بالجزاء والعقاب ، والاعتقاد بالآخرة والبعث والحساب ، وذلك وازع لنفسه يكبحها عن الشر والفساد ، ويوجهها للصلاح ، ويحول بينها وبين العدوان ، وما لم يعتقد الإنسان بوجود الله فلن يكون اجتماع ولا حضارة ، ولن تكون مدنية ، ولن تستقيم المعاملات ، ولا تخلص النوايا بين الناس والشعوب ، ونسمى ذلك «البرهان
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
