٢٣٤. هل كان محمد نبيّا أميا؟
قيل إن الدليل على نبوّته صلىاللهعليهوسلم أنه لم يكن يقرأ ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب ، ولم يكن بمكة أهل كتاب ليعلّموه ، وفى القرآن : (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) (٤٨) (العنكبوت) ، أى ما كنت قبل القرآن تقرأ الكتب ، ولا تختلف إلى أهل الكتاب ، وإذن لارتاب المبطلون أنه تعلّمه منهم ومن الكتب. وقيل : إن النبى لم يمت حتى كتب ، وأنه قرأ صحيفة لعيينة بن حصن. وقيل إنه فى صلح الحديبية رفض علىّ أن يمحو أنه صلىاللهعليهوسلم رسول الله ، فطلب النبىّ صلىاللهعليهوسلم أن يريه مكانها ، فأراه فمحاها ، وكتب بدلا من «محمد رسول الله» : محمد بن عبد الله ، وقال بعضهم : إن الرسول صلىاللهعليهوسلم أخذ الكتاب فكتب بيده ، وليس معنى قوله : «إنّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» ، أنه هو نفسه أمى لا يكتب ولا يحسب. وقيل. أجل ، كان يقرأ ويكتب ، وإنما كان ذلك بعد نزول القرآن ، ونفهم ذلك من ظاهر الآيات : (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) (٤٨) (العنكبوت) ، وقوله : (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) (٣) (العلق) ، وقوله : (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً) (١٠٦) (الإسراء) ، وقوله : (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) (٩٨) (النحل) ، وقوله : (عَلَّمَ الْقُرْآنَ) (٢) (الرحمن) ، وكلها تثبت إنه كان يقرأ ويكتب وإنما بعد القرآن. وقيل : كتب وقرأ من الله من غير تعلّم ولا تعاط لأسباب الكتابة والقراءة ، وإنما أجراهما الله على يده وقلمه ، فكان ذلك خارقا للعادة ، وليس فيه معجزة ، فنحن نصادفه فى الحياة العامة للموهوبين وخارقى الذكاء من الموصوفين بالعباقرة ؛ أو أنه تعلّمهما بمعجزة ، كتعلمه لعلم الأولين والآخرين من غير تعلّم ولا اكتساب. وليس الأمى فى الآية : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَ) (١٥٧) (الأعراف) أنه الذى لا يعرف القراءة ولا الكتابة ، فالأمى فى السياق القرآنى فى هذه الآية وغيرها من الآيات ، يعنى أنه الرسول النبىّ «الأغيار» ، أى «من غير اليهود والنصارى» ، وليس بمعنى الذى لا يعرف القراءة والكتابة ، والثابت أنه كان يعرف القراءة والكتابة بعد نزول القرآن عليه ، ولا يعتد بالقول بأنه كان له الكتّاب يكتبون ما يمليه ، فذلك لا ينفى أنه كان يكتب ويقرأ ، ومع ذلك يكون له كتبة للوحى ، قيل : بلغ عددهم ستة وعشرين كاتبا. وكان معاوية منهم ، فكان صلىاللهعليهوسلم يأمره فيقول : «أقم الباء ، وحرّف السين ، ولا تعوّر الميم ، وحسّن الله ، ومدّ الرحمن ، وجوّد الرحيم» ، فهل هذه وصايا أمى لا يعرف القراءة ولا الكتابة؟!! أم هى إرشادات عارف متعمّق المعرفة؟! ولما ذكر صلىاللهعليهوسلم الدجّال قال : «مكتوب بين عينيه : ك ا ف ر» يعنى أنه تهجّى كلمة «كافر». فكيف لا يكون إذن كاتبا وقارئا؟!
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
