٢٣٢. قولهم : محمد الساحر المبين
يقول تعالى منكرا على تعجّب الكفار ـ والمستشرقين منهم : (أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ) (٢) (يونس) ، فقد تعجبوا أن يكون الرسول بشرا ، كقول القرون الماضية : (ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (٦) (التغابن) ، وكقول هود وصالح لقومهما : (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (٦٣) (الأعراف) ، وكذلك لما بعث الله محمدا صلىاللهعليهوسلم رسولا ، أنكروا عليه أن يكون الرسول بشرا ، وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد! فنزلت الآية : (أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ ..) ، وكأنهم كانوا يريدون أن يدعوا لمحمد دعوى النصارى لعيسى ، فيزعمون أنه الربّ ، وأنه ابن الله. ووصفوا دعوى النبىّ صلىاللهعليهوسلم بأنها سحر ، لأنه ينتحل لنفسه مقاما ليس إلا للآلهة ، وهذا لا يفعله إلا السحرة ، وخصّوه بأنه ساحر مبين ، لأن البيان صنعته ، والقرآن بيانه ، والبيان فى اللغة ما يتبين به الشيء من الدلالة والفصاحة والمنطق المعبر ، وإن من البيان لسحرا ، ولذا كان النبىّ صلىاللهعليهوسلم فى اعتبارهم ساحرا مبينا.
* * *
٢٣٣. قالوا عنه : مجنون ، ومفتون ، وشاعر ، وساحر ، وكاهن
كان كفار مكة يزدرون النبىّ صلىاللهعليهوسلم بأعينهم ، ويؤذونه بألسنتهم ، وقالوا له : (يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (٦) (الحجر) ، وقالوا : (أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) (٣٦) (الصافات) ؛ وقالوا (مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) (١٤) (الدخان) أى علّمه بشر أو علّمه الكهنة والشياطين ، ووصفوه بالجنون وهو زوال العقل أو فساده ؛ ونفى الله تعالى أن يكون كما وصفوه ، فلا هو بشاعر ، ولا ساحر ، ولا مجنون ، ولا معلّم من تلاميذ الكهّان ، كقوله تعالى : (فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) (٣٠) (الطور) ، وقوله : (وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) (٥١) (القلم) ؛ وفى نوح قال قومه مثل ذلك : (مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) (٩) (القمر) يعنى زجروه عن أن يدعو كنبىّ ؛ وفى موسى قال قوم فرعون : (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) (٢٧) (الشعراء) ، وقال تعالى فى فرعون : (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) (٣٩) (الذاريات) ، وقال تعالى فى استقبال كل الشعوب لرسلهم : (كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) (٥٢) (الذاريات) ، وأما عن نبيّنا صلىاللهعليهوسلم فقد نفى الله عنه الجنون تماما ، فقال : (وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) (٢٢) (التكوير).
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
