اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً) فيه أن العهد هو الشفاعة ، وأنه تعالى قد وعد البعض أن يكونوا شفعاء للناس ، وهؤلاء هم الأنبياء والعلماء والمكرمون ، وفى الحديث : «لا أزال أشفع حتى أقول يا ربّ شفّعنى فيمن قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فيقول : يا محمد! إنها ليست لك ولكنها لى» ، أى أن الشفاعة لا تكون إلا لمن يأذن له الله ، كقوله تعالى : (وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) (٢٣) (سبأ) ، فمقام الرسول صلىاللهعليهوسلم المحمود ـ بحسب ذلك ـ هو هذه الشفاعة المأذون بها له. وغالى بعض المفسرين فى معنى المقام المحمود ، حتى قالوا هو أن يجلس الله تعالى محمدا على كرسيه!!! وهذا أغرب التفاسير ، لأن إقعاد النبىّ صلىاللهعليهوسلم على عرشه تعالى لا يوجب له ربوبية ولا ينزع عنه عبودية!!! والصحيح فى كل ما سبق : أن المقام المحمود هو الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة ، وليس العرش والجلوس عليه. ولا يعقل أن تكون صلاة الليل ، كما فى الآية السابقة على آية المقام المحمود ، سببا لأن يكون للنبىّ صلىاللهعليهوسلم المقام المحمود بمعنى الشفاعة. وأما الآية اللاحقة على آية المقام المحمود ، وهى : (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (٨٠) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) (٨١) (الإسراء) فهى عبارة عن دعاء أن يميته الله إماتة صدق ، ويبعثه يوم القيامة مبعث صدق ، وبذلك يتصل المعنى بقوله تعالى : (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) (٧٩) (الإسراء) ، فلما وعده ذلك ، أمره أن يدعو لينجز له الوعد. والمدخل والمخرج الصدق هما أن يدخله فى المأمور ويخرجه من المنهى ، أو هو بالمعنى المادى التاريخى : خروجه من مكة يوم الهجرة ، ودخوله يوم الفتح آمنا ؛ وأصحّ من ذلك متوافقا مع معانى الآيتين : أن المقام المحمود هو أن يكرمه بإتمام النبوة عليه وذلك هو مدخل الصدق ، ويكرمه عند موته وبعثه يوم النشور ، وذلك هو مخرج الصدق ، على ذلك فالمعنى الإجمالى للمقام المحمود هو كقوله : (أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً) (٢٩) (المؤمنون). ومن المقام المحمود أن يجعل له نصيرا ، أى حجة ثابتة ، أو أن يؤتيه النصر والعزّ ، ولذا كان قوله بعدها مباشرة : (وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) (٨١) (الإسراء). فذلك إذن هو المقام المحمود بحسب السياق القرآنى وليس من ذلك شىء عن الشفاعة.
* * *
٢٢٣. قوله صلىاللهعليهوسلم (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ) (١١٢) (الأنبياء)
كان الأنبياء يقولون : (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ) (٨٩) (الأعراف) ، وأمر نبيّنا أن يقول (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ) (١١٢) (الأنبياء) ، فكان إن لقى العدو يقول ـ وهو يعلم أنه على الحق وعدوه على الباطل (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ) ـ أى اقض به.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
