وكان يقول لأصحابه إذا أطروه : «لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبد ، فقولوا : عبد الله ورسوله». رواه البخارى ، وقال : «إنما أنا بشر مثلكم ، وإن الظن يخطئ ويصيب ، ولكن ما قلت لكم قال الله ، فلن أكذب على الله» رواه أحمد وابن ماجة. وقال : «إنما أنا بشر تختصمون إلىّ ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن (يعنى أبلغ) بحجته من بعض ، فأحسب أنه صادق ، فأفضى له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هى قطعة من النار ، فليأخذها أو ليتركها». رواه مالك والشيخان وأصحاب السنن.
وليست أخطاؤه من النوع الفاحش ، ولا المبتذل ، ولا القبيح ، ولا المرذول ، ولا هى مخالفة لأوامر الله ، وإنما هى أخطاء ليس فيها نصّ قرآنى ، وأعمل فى أحداثها نظره فحكم بما وسعه ، ومن ذلك ما رواه الحسن البصرى قال : جاءت امرأة إلى النبىّ صلىاللهعليهوسلم تشكو زوجها أنه لطمها ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «القصاص» ، فأنزل الله : (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً) (٣٤) (النساء) ، فأبطلت الآية حكم الرسول صلىاللهعليهوسلم ، فثبت أنه تعالى لا يقرّه على الخطأ ، وأنه صلىاللهعليهوسلم كان يخضع فورا لحكم الله ويأخذ بالصحيح ، ويفرح به ويسرّ. ولما أذن لبعض المنافقين أن يتخلفوا عن غزوة تبوك حين استأذنوه فأعذرهم ، عاتبه الله شديد العتاب فقال : (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ) (٤٣) (التوبة) وعلمه ان يتحرّى ويتثبت ولا ينخدع بظواهر ما يقولون ، فوراء أعذارهم مقاصد دنيّة بيّتوا لها.
وفى وقعة بدر استطاع المسلمون أن يأسروا سبعين من أشراف قريش ، وكان من رأى عمر أن يقتلوا ، فالحرب لم تضع أوزارها ، ورأى الرسول صلىاللهعليهوسلم أن يرضى منهم الفداء ، لعل المسلمين ينتفعون بالمال ، فنزلت الآية تعتب عليه بشدة إطلاقه سراح الأسرى ، وقال له ربّه يعلمه : (ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٦٩) (الأنفال).
واشتهر عتاب سورة عبس ، وقوله تعالى له فيه : (كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ) (١١) فهذا أكبر تعنيف للنبىّ صلىاللهعليهوسلم فى القرآن كله ، وسبب ذلك أنه صلىاللهعليهوسلم انشغل يوما مع جماعة من أشراف قريش يحاجيهم ويناقشهم ويحاورهم لعلهم يهتدون ، وجاءه عبد الله بن أم مكتوم ، وهو يجادلهم ، وكان أعمى يتلمس طريقه ، ودخل على النبىّ صلىاللهعليهوسلم بلا استئذان ، وقاطع
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
