١٩٦. ما من نبىّ إلا وقد أخطأ أو همّ بخطيئة
كل الأنبياء إما أخطئوا أو هموا بخطيئة ، ومنهم موسى ، وعيسى ، ونبيّنا محمد صلىاللهعليهوسلم ، وقيل إن يحيى بن زكريا لم يخطئ ، إلا أن خطأه كان نقده الشديد لهيروديا وهيرودس بلا روية وباندفاع ، واتهامه لهيروديا بالزنا ، فتسبب ذلك فى قتله على النطع بالسيف ، وفصلوا رأسه عن جسده وقدموها لهيروديا فى طبق. (متى ١٤ / ٣ ـ ١١ ، لوقا ٣ / ١٩ ـ ٢٠ ، مرقس ٦ / ١٦ ـ ٢٨). ولأن الأنبياء كانوا جميعا من البشر ، بما فيهم عيسى ، وبدءا من آدم ، فكان عليهم أن يخطئوا ، وإلا ما كانوا بشرا ، ووصّف الله تعالى خطأ الأنبياء وهو يوصف خطأ آدم ، فقال : (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) (١١٥) (طه) فأطاع إبليس وانصاع لهواه ، ومع أنه عاهد الله فلم يحفظ العهد ، فالسبب إذن فى خطأ الأنبياء أنه لم يكن لهم العزم ، أى القوة والمثابرة على الالتزام والوفاء بالعهد ، إلا أنه شتّان بين خطأ نبىّ وخطأ إنسان عادى ، وعلى العموم فإن آفة الإنسان تهافت العزم.
* * *
١٩٧. أخطأ كما يخطئ الناس
أخطأ النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، وهذه حقيقة ، وخطؤه صلىاللهعليهوسلم لأنه بشر ، وهذا واقع ، والقرآن سجّل فى بعض آياته أخطاء للنبىّ صلىاللهعليهوسلم ، ووجّه إليه بسببها العتاب ، فأحيانا يشتد العتاب ويقسو ، وأحيانا يلطف ويرق ، والعتاب فى القرآن للنبىّ صلىاللهعليهوسلم دليل على أن القرآن ليس من عند محمد ، فلو كان هذا العتاب من كلامه لما عاتب نفسه ونشر خطأه على الناس يقرءون عنه فى كل وقت ، ويرتلونه فى المساجد وعلى الملأ. وكانت أخطاؤه من نوع أخطاء الأحكام ، كهذا الخطأ الذى تحكى عنه هذه الآية : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١) (التحريم) ، قيل إنه حلف أن ماريا القبطية عليه حرام ، وأقسم أن لا يقربها ؛ وقيل حلف أن لا يشرب العسل عند زينب بنت جحش ولا عند غيرها ؛ وما كان له أن يحرّم على نفسه ما أحل الله له. وفى حكاية خولة بنت ثعلبة حرّم عليها زوجها أوس بن الصامت لما ظاهرها ، وقال لها رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «حرمت عليه» ، فما زالت تراجعه ويراجعها وهو يقول : «هو ما قلت لك» ، فقالت : إلى الله أشكو لا إلى رسوله!. فنزلت الآية : (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (١) (المجادلة). وأمثال هذين الخطأين من دلائل بشريته وعبوديته لله ، ورغم مقامه المحمود عند ربّه ، إلا أنه لم يخرج عن أن يكون عبدا لله ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
