النقاش يريد أن يسأله فى دينه ، فلم يردّ عليه النبىّ صلىاللهعليهوسلم واستمر فى كلامه ، وابن أم مكتوم من حين لآخر يأتيه من شماله ثم من يمينه ويقطع عليه كلامه ، ولا شىء على لسانه إلا عبارة «يا رسول الله ، علمنى مما علمك الله» ، وفى السورة يقول تعالى يصف الموقف : (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ) (١١) (عبس) ، فنفهم أن الرسول صلىاللهعليهوسلم عبس فى وجهه ، وابن أم مكتوم أعمى ، ولن يرى العبوس ، فلا بد إذن أنه ظهر فى كلامه ، ونفهم أنه تولى عنه وانصرف لا يجيبه ، فكان هذا العتاب القاسى من الله تعالى لنبيّه ، لأنّه ما كان له أن يقبل على كفّار لدرجة أن يهمل المؤمن ، ولا أن يعرض عن هذا المؤمن الضعيف من أجل كفرة عتاة فى الكفر ، ولا أمل فى هدايتهم ، فكان النبىّ صلىاللهعليهوسلم كلما التقى بابن أم مكتوم من بعد ، يقول له هاشا باشا : «أهلا بمن عاتبنى فيه ربّى» ، وكان من عتابه تعالى لنبيّه صلىاللهعليهوسلم أن أنزل عليه هذه الآية ، يعلمه أن لا يعرض أبدا عن مؤمن يطلبه للدين ، قال : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) (٢٨) (الكهف).
* * *
١٩٨. أوذى كما أوذى موسى
موسى كثيرا ما أوذى ، وكذلك النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، يقول تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً) (٦٩) (الأحزاب) ، وموسى اتهموه بأنه آدر (يعنى له خصية منتفخة) وأبرص ، وأنه تزوج حبشية وحلل حراما ، وأنه لم ينفّذ كلام ربّه فى ضرب الحجر ليخرج منه الماء ، وأنه شكّ فى قدرة الله على أن يؤكل بنى إسرائيل ، ولم يعظهم قبل نزول السلوى ، وأنه خاصم هارون ودعاه إلى الجبل ليقتله هناك. والنبىّ صلىاللهعليهوسلم آذوه فكانوا يرفعون صوتهم على صوته ، كقوله تعالى : (لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ) (٢) (الحجرات) ؛ وكانوا ينادون عليه باسمه ، كقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (٤) (الحجرات) ، ويدخلون بيته بلا استئذان ، كقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَ) (٥٣) (الأحزاب) ، وقالوا إذا مات محمد سنتزوج أزواجه ، فنزلت الآية : (وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
