عند البخارى عن ابن عمر : «لا حسد إلا على اثنين : رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل ، ورجل أعطاه الله مالا فهو يتصدق به آناء الليل وآناء النهار» ، وعن أبى هريرة : «لا حسد إلا فى اثنتين : رجل علّمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار ، فسمعه جار له فقال : ليتنى أوتيت مثلما أوتى فلان ، فعملت مثل ما يعمل ، ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه فى الحق ، فقال رجل : ليتنى أوتيت مثل ما أوتى فلان ، فعملت مثل ما يعمل». والحسد هنا ليس تمنى زوال النعمة ولكنه الاغتباط بصاحب القرآن الذى يتلوه ويعمل به ، والاغتباط بصاحب المال الذى ينفقه فى الحق. ولا حسد إلا على اثنتين ، أى لا رخصة فى الحسد إلا فى خصلتين ، أو لا يحسن الحسد ـ إن حسن ـ إلا فى هاتين.
* * *
١٦٦. متعلم القرآن ومعلمه أفضل الناس
عند البخارى عن عثمان رضى الله عنه عن النبىّ صلىاللهعليهوسلم قال : «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» وفى رواية أخرى : «إن أفضلكم من تعلّم القرآن وعلّمه» ، وفى الرواية عند أبى داود والدار قطنى : «خيركم من قرأ القرآن واقرأه» ، وتأتى الخيرية من أن القرآن أشرف العلوم ، وعلمه هو العلم الحاكم على كل العلوم ، يوجهها ويضبط تصرفاتها ، ويسمو بدوافعها ويرقى بغاياتها ، فيكون من يتعلمه ويعلّمه لغيره أشرف ممن يتعلم غير القرآن وإن علّمه. والجامع بين تعلّم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره ، ويجمع بين النفع القاصر والنفع المتعدّى ، ولهذا كان هو الأفضل ، وهو الداعى الذى عناه الله تعالى بقوله (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً) (٣٣) (فصلت) ، والدعاء إلى الله يمكن بوسائل كثيرة منها ، تعليم القرآن وهو أشرف الجميع. والقرآن خير الكلام ، ومتعلّمه خير المتعلّمين ، وخير هؤلاء جميعا من يتعلمه ويعلّم غيره ولا يقتصر على نفسه. والقارئ أو المقرئ المحض للقرآن ، الذى لا يفهم شيئا من معانى ما يقرأه أو يقرئه ، ليس هو المقصود بالخيرية ، وإنما الخيرية لمن يفقه ما يقرأ ، ويدرى معانيه ، ويعمل بها ويعلّمها ؛ بحسن قراءته عن فهم ودراية. وفى الحديث عن سهل بن سعد فى قصة التى وهبت نفسها ، أنه صلىاللهعليهوسلم زوّجها للرجل الذى طلبها ولم يكن يملك ثوبا يعطيه لها ، ولا خاتما من حديد ، فاعتلّ له وقال : «ما معك من القرآن؟» قال الرجل : كذا وكذا. فقال صلىاللهعليهوسلم : «فقد زوجتكها بما معك من القرآن» ، فجعل للقرآن مقاما كمقام المال ، به يبلغ صاحب الغرض إلى غرضه وكأنه يمتلك المال ، وزوّجها له على أن يعلّمها ، فتحقق بالقرآن خير كثير.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
