الحكمة يقولون فى الكلب : إنه لا نفس له ، فنفسه منقطع ، فيلهث فى الكلال وفى الراحة ، وفى المرض وفى الصحة ، وفى الرىّ وفى العطش ، فكذلك الكافر ، إن وعظته ضلّ ، وإن تركته ضلّ : (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ) (١٩٣) (الأعراف). والمثل عام فى كل من استمع إلى القرآن وعرف عن الإسلام ولم يؤمن ، وفى كل من عرف آيات الله ولم يعمل بأوامرها ونواهيها ، ومن يقرأ الكتب ولا يسلك بمقتضى حكمتها ، فمثله كمثل الكلب ، وهو تمثيل ، لأنه يعنى أن هواه قد غلبه حتى ما عاد يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ، كالكلب اللاهث أبدا حمل عليه أو لم يحمل عليه.
(لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) (١٧٩) : المثل يضرب لمن لا ينتفع بما أعطاه الله من نعمة العقل والإبصار والسمع والحواس عموما ، فلا يفقه قولا ، ولا يعقل ثوابا ، ولا ليخاف عقابا ، فهم كالأنعام ، همّتهم انصرفت إلى الأكل والشّرب ، فصاروا أضل ، لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها ، وتتبع مالكها ، فكأنما بفطرتها تعرف ربّها ولم تجحده ، وهؤلاء لم يعرفوا ربّهم ، وغفلوا عن الحق.
(فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (١٨٥) : قول يؤثر ويردّ به على من يستهين بما يقال ، ويستقله.
(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) (١٩٩) : هذه الآية من ثلاث كلمات ، تضمنت قواعد الشريعة فى المأمورات والمنهيات ، فأما قوله : (خُذِ الْعَفْوَ) فأمر بصلة من يقطعك ، والعفو عمن يأثم فى حقك ، والرفق بالمؤمنين ، وأن لا تحمّل الناس إلا وسعهم ، وأن لا تكلفهم إلا ما كان فى استطاعتهم ؛ وقوله : (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) فالعرف ما اصطلح الناس عليه فى أمور الخير والبرّ والحق ؛ وقوله : (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) فالجهل ضده العلم ، فأن تعرض عن الجاهلين ، لأن ما يصدرون عنه هو عدم الدراية ، وقلة المعرفة ، ومن شأن الجهل أن يردى صاحبه فى الظلم ، فيظلم الناس ويظلم نفسه ، والعاقل من تعلّم وعلّم ، والتعلق بالتعلّم من دأب أهل الحكمة ، وفى الإعراض عن الجاهلين إعراض عن أهل الظلم ، وتنزّه عن منازعة السفهاء والتنزل إلى مستوى الجهلة الأغبياء ، ولما سأل الرسول صلىاللهعليهوسلم جبريل عن معنى هذه الآية ذهب فسأل ربّه وعاد إليه يقول : «إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك ، وتعطى من حرمك ، وتصل من قطعك» أخرجه الحاكم والبيهقى. وفى الحديث عن أبى هريرة قال : «إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق» أخرجه البزار. وفى الشعر :
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
