(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ) (١٢) (التحريم) ، فلما حملت فى المسيح وولدته اتهمها قومها من اليهود بالزنا ، وأن ولدها عيسى ابن زنا ، مع أنها كانت من المحصنات ، ولأنه تعالى قال أنه تعالى أرسل جبريل إليها فنفخ فيها من روحه ، فإنه تعالى أكد أن إحصانها كان أكثر ما يكون لفرجها ، فلم يأتها منه أحد ، وصانته عن مقارفة الفواحش ، فظلت عذراء لمّا حملت ، وينفرد القرآن بالقول أن الحمل كان بالنفخ فى الفرج وليس بالمجامعة والإيلاج ، وتأكد أنه كان نفخا فى الفرج ، لأن الفرج هو الطريق إلى الرحم الذى يكون فيه الحمل ، والنفخ هو مجرد أن يتنفس جبريل بكلمة «كن» ، فكان أن حملت. والمحصنة هى العفيفة ، وأحصنت فرجها حمته وحرزته فكان منيعا ، أى حصينا ، وقيل : إن جبريل تنفّس فى جيب قميصها فوصل ذلك إلى فرجها ، والجيب يسمى فرجا كما فى قوله تعالى : (وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦)) (ق) ، والفرج هو الشق ، والجيب شق أو فرج فى الثوب. وما كان من الممكن أن ينفخ جبريل فى جيبها أو فرجها لو لا أنها صدّقت بكلمات ربّها لمّا قال لها : (إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) (مريم ٥) ، وصدّقت بكتبه ، يعنى بالتوراة ، وكانت قانتة لم يعرف عنها إلا كل الطاعة ودماثة الخلق ، واشتهرت بذلك بين أترابها وأهلها.
* * *
٩٠٧. المستشرقون وقوله تعالى عن مريم : (وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ)
فى الآية : (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ) (١٢) (التحريم) قال المستشرقون : كان ينبغى أن يقول محمد : «وكانت من القانتات» ، والصحيح أنه تعالى لم يرد من القانتات ، لأنه أراد «وكانت من القوم القانتين» ، أو أن المقصود أنها كانت من القانتين من أهل بيتها وهم رجال ، ومنهم زكريا ، ومنهم الذين تقدّموا ليكفلوها وذكرهم القرآن : (يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) (آل عمران ٤٤) وهم أنفسهم رجال آل عمران ، فكانت مثلهم من «القانتين» ، وفى العادة أن القانتات قليلات ، ولمّا ولدت أم مريم وكانت قد نذرت ما تلد لله ، وتبين لها أنها أنثى أصابتها الحيرة فقالت كلمتها المشهورة (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى) (آل عمران ٣٦) ومع ذلك ضمّتها للمتعبدين وصارت منهم ومن «القانتين» حتى كانت لا تبارح المحراب.
* * *
٩٠٨. هل مريم نبيّة
يقول القرآن : (إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
