إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) (٣٧) (آل عمران) ومعنى أنها نذرت ما فى بطنها محرّرا ، أنها نذرته لخدمته تعالى ، أو بالأحرى للخدمة فى الكنيس أو المعبد. وكانت كبيرة لا تلد ، وتنتسب لبيت عمران ، وهو بيت والد موسى وهارون ورأس العمرانيين ، والناس ينادون المرأة (والرجل على السواء) ، باسم عشيرتها إذا كان زوجها نكرة. ولأن الأم عمرانية ، وتخصيصا هارون أى من نسل هارون ، فإنها كانت تقية ومتعبدة ، والهارونيون هم أحبار إسرائيل وكهنتها ، فإنها نذرت إن حملت أن تهب حملها لله ، وتخصصه لخدمة المعبد وينحبس عليه ، ويتفرّغ للعبادة ، فلما وضعت مريم كانت تعرف أن الأنثى ليست كالذكر ، لأنها تحيض ولا تصلح لمخالطة الرجال. والنساء يطلبن الولد للأنس والاستنصار ، وامرأة عمران طلبته نذرا لله ، وقالت فيه : «محررا» ، فحرّرته من رقّ الدنيا وأشغالها. فلما وضعتها أنثى سمّتها «مريم» أى «التقيّة» ، وقيل «المنذورة» فلما حملت مريم فى المسيح اختلف الناس بإزائها : هل كانت نبيّة؟ والجواب طبعا للأعراف اليهودية عن النبيّات فى بنى إسرائيل ، ومثلها مثل مريم أخت موسى ، وديبورا ، وحنّة أم صموئيل ، وخلدة امرأة شالوم ، فهى نبيّة بمقتضى المقاييس اليهودية ، وكذلك بمقتضى المقاييس النصرانية ، مثلها مثل حنّة بنت فنوئيل ، وبنات فيلبس الأربع ، وهؤلاء جميعا كن زاهدات ، ولا يفارقن الهيكل ، ويتعبّدن بالصلاة والصيام والقيام فى الليل ، وكذلك كانت مريم ، إلا أن الأناجيل لم تجعلها نبيّة ، وزوّجتها من يوسف النجّار ، وحوّلت حياتها من حياة الزهد والتقوى إلى حياة الأسرة ، وجعلتها تلد أربعة إخوة للمسيح من زوجها النجّار ، وسمّتهم «إخوة الربّ» ـ والربّ هو المسيح ، وسمّت مريم «أم الربّ» وذكرت أنها مباركة فى النساء ، وأنها منعم عليها بنعمة عظمى هى أمومتها للمسيح ، وجعلتها قدوة للنساء. وأما القرآن فإنه وصفها الوصف الكامل فقال : إنها «صدّيقة» فما معنى صدّيقة التى انفرد بها القرآن؟
* * *
٩٠٩. مريم صدّيقة
القرآن انفرد بهذا التكريم لمريم ، قال : (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
