مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٧٥) (البقرة) ، فليس أقسى من اليهود فى العالم ، وفى الدنيا كلها ، وليس أشرّ منهم ، ومن المستحيل الوثوق بهم ، وكتابهم التوراة يكيل لهم الاتهامات ، ويصفهم بالجحود والنكران والكفر والعصيان ، حتى استلزم الأمر أن يرسل إليهم الرسل تباعا ، حتى بلغ عددهم ستة عشر نبيا هم أنبياء الأسفار ، وعشر نبيّات ، بخلاف ٨٥٠ نبيا قيل هم أنبياء مزيفون ، فلما كثر العصيان ، وتعددت الأمراض ، كثر الأنبياء ، فلا توجد أمة لها مثل ذلك العدد من أطباء النفوس والأرواح إلا هذه الأمة التى استحال علاجها على الجميع ، فاستلزم ذلك أن يبعث محمد كنبىّ خاتم فليس بعده يرسل الله أنبياء. ومن كل ما سبق يتبين أن قصة البقرة فى القرآن قصة شاملة كاملة ، فيها البلاغة والبيان ، والجدل ، وتوصيف المرض والداء ، ووصف العلاج ، وتحليل أمة اليهود ، وبيان الشرع فيما عرض لهم ، والتنبيه على أنهم أمة عاصية ، ولا يوجد شىء من ذلك فى نصوص قصة البقرة فى التوراة ، فشتّان بين هذه وتلك ، وحسبنا الله.
* * *
النبىّ زكريا
٨٩٦. قصة النبىّ زكريا مع ربّه ومع مريم
تتناول قصة زكريا أربع سور هى بترتيب النزول : مريم ، والأنبياء ، والأنعام ، وآل عمران. واسم زكريا عبرى ، ويساوى فى معناه اسم «ذكرى» ، وقيل المعنى الحرفىّ «يذكره الله بالخير» ، وقيل : إن اسمه بالكامل زكريا بن برخيا بن عدّو ، ذكر ذلك فى سفر عزرا من أسفار اليهود (٥ / ١ و ٦ / ١٤) ، وزكريا هو الحادى عشر بين «الأنبياء الصغار» ، ولمّا مات أبوه وهو صغير صار ينادى باسم جدّه ، تماما مثلما ذكر القرآن عن مريم فقال : إنها «ابنة عمران» ، وأن أمها «امرأة عمران» ، نسبة إلى الجدّ الأكبر ، والجدّة الأكبر ، وإشارة إلى بيت عمران الذى تنتسب إليه ، وذلك لوفاة أبيها وهى صغيرة. وقيل عن زكريا إنه كان من نسل لاوى ، يعنى أنه كان منذورا للكهانة والنبوة ، وأنه امتد به العمر ، ولمّا توفى دفن إلى جوار صاحبه حجى. وله سفر باسمه ، «سفر زكريا» ، ويقال أيضا «نبوءة زكريا» والمرجّح أنه كتبه أثناء حكم داريوس الفارسى ، حوالى سنة ٥٢٠ ق. م ، ويحفل بالرؤى والنبوءات ، ومنها نبوءته الغيبية عن مصر والمصريين ، يقول : «تنالها الضربة (يقصد مصر) التى يضرب بها الربّ الأمم. هذا مصير خطيئة مصر» ، وكلام زكريا فى السفر له خبيء وفيه الكثير من التورية ، وما أكثر ما يتمنى أنبياء إسرائيل الشرّ لمصر والمصريين!
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
