بعض أقوال النبىّ صلىاللهعليهوسلم لوجب تكفيره ، وكان ذلك منهم على جهة غلظ الطبع ، والجفاء والمعصية ، على نحو ما قال القائل لنبيّنا صلىاللهعليهوسلم فى قسمة غنائم حنين : إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله. وكما قال له الآخر : اعدل يا محمد! وفى الآية دليل على منع الاستهزاء بدين الله ، ومن يجب تعظيمه من المؤمنين أو الأنبياء. ولقد شدّدوا على أنفسهم وتعنّتوا فشدّد الله عليهم. والعبارات التى وردت فى نصوص التوراة تدل على قمة التزمّت وهو نوع من الغباء العقلى والانغلاق الفكرى ، فهم جعلوا الموت نجسا لكل ما يلامسه ومن يلامسه ، وحتى عظم الميت ، والقبر ، والنعش والسرير وملابسه ، وكل شىء جعلوه نجسا إذا لامسه ، ويظل ذلك أسبوعا ولا يبرأ منه إلا بطقوس خاصة ، وحرق بقرة ونضح الماء برمادها ... إلخ ، مما يجعل الحياة مستحيلة وشديدة التعقيد ، والإسلام رفع كل هذا الإصر. وفى هذه النصوص التوراتية وآيات القرآن التى مدارها البقرة والقتل ، يتبين بجلاء أن الإسلام دين لا يقارن يسره بأى ديانة أخرى ، فلا شىء من هذه الطقوس الغريبة فيه. والقصة فى القرآن موصولة بما سبقها حيث الآيات قبلها هى وصف لطبع اليهود ، وهو أول وصف فيما نسميه الآن «بعلم نفس الأجناس» ، أو «علم نفس الشعوب» : وهو الذى يصف طباع مختلف الأجناس والشعوب ويجعل لها ما يسميه «لا شعورا جميعا» ، يرثه الأبناء عن الآباء ، ويلازمهم كطبع فيهم ، فتتشابه سلوكياتهم وردود أفعالهم ، فمن بعد ما قال لهم الله تعالى من الآية ٦٤ من البقرة «ثم توليتم من بعد ذلك» فإنه ظل يعدّد سوء أفعالهم من عدوانهم على السبت (الآية ٦٥) ، وتحولهم إلى قردة بالمعنى المعنوى ، أى أنهم صاروا أشباه بشر وخلوا من الإنسانية ، ولذلك اختلفوا فى مسألة البقرة ، وهو قوله تعالى : (فَادَّارَأْتُمْ فِيها) (البقرة ٧٢) ، وكتمتم الحقيقة ، والله مخرج ما كتموه. ولم يكن الأمر يستلزم أن يفرض الله عليهم ذبح البقرة ، وأن يضربوا القتيل ببعضها ليحيا من جديد ويفضح من قتله ، فالله قادر على أن يردّه إلى الحياة لو أراد بدون البقرة ، إلا أنه تعالى جعله يحيا بضربه ببعضها ، ليبين أنه يستطيع ذلك بأقل شىء ، وأنه تعالى يقدر أن يميت البهيمة الحيّة ، وأن يحيى الإنسان المقتول ، فكان الأحرى بهم أن يتّعظوا ويتدبّروا ، إلا أنهم كما جاء فى الآيات : (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (٧٤) (البقرة) ، ولا أحسب أن هناك ما هو أعظم بلاغة من هذا الوصف لليهود عبر الأزمان ، ومن ثم يخلص القرآن إلى الدرس المستفاد من قصة البقرة فى الآية التالية مباشرة مخاطبا المسلمين : (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
