عن جريمته ، وخاف موسى أن يفتضح أمره ، فقرر الهرب فورا خارج الحدود. فانظر كم تختلف الروايتان فى كافة التفاصيل ، وأخيرا يأتى الاختلاف فى الهدف ، وفى الدرس المستفاد ، ففي قصة التوراة لا يتصرف موسى كنبىّ ، أو أن معنى النبوة ليس كما هو فى الإسلام ، والأنبياء فى إسرائيل كثيرا ما يظلمون ويسلكون مسالك معيبة ، ومن ذلك تصرفات موسى كما تروى عنها التوراة ، وفى قصة القرآن ظل موسى يستغفر ربّه بشأن ما ارتكب حتى اطمأن قلبه أنه قد غفر له ، طالما أنه تاب عن مثلها وأناب ، وعرف أن ذلك شأن إجرامى لا يليق به ولا يحبه ربّه فيه ، ولذلك ساعده «الرجل الذى جاء من أقصى المدينة» ، وتكبّد مشقة الحضور إليه ، لأنه كان يحبه ، وكان موسى يثق به ويبادله الحب. وليس فى قصة التوراة استغفار ولا توبة ولا إنابة ، وشتّان بين القصتين ، ولا ذكر «للرجل الذى جاء من أقصى المدينة» فى قصة التوراة ، وقصة القرآن بذلك أكمل ، وأعمق فى تحصيلاتها ، وشخصياتها أكثر ، والحوار فيها متصل ، والعبارات موجزة ولكنها شديدة الإيحاء والتأثير.
* * *
٨٥٠. قصة سورة يس عن موسى والذى جاء من أقصى المدينة يسعى
كثيرا ما يوجزون اسمه فيقولون «رجل يسعى» ، ويشتهر بهذا الاسم فى المراجع الصوفية ، ويأتى عنه فى سورة يس ، وهى من السور الإيمانية شديدة الاحتفال بالمؤمنين الذين يدعون إلى الله ، ومن هؤلاء رسل القرية الثلاثة ، (يس ١٢ / ١٩) ، وكذلك «الذى جاء من أقصى المدينة يسعى» ، وتحكى عنه السورة فتقول : (وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ) (٣٢) (يس). ولقد جاء فى السورة أن أصحاب القرية التى جاءها الرسل الثلاث هم مثل يضرب للناس كلما ضلوا وجحدوا وأصرّوا على الإنكار ، وكذلك «الذى جاء من أقصى المدينة يسعى» وقصته فى الإيمان هى المقابل لقصة أصحاب القرية فى الإنكار ، وذهب المفسرون مذاهب شتى ، وكلّ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
