الْخَوْفِ) أي خوف العدو والإرجاف به (وَالْجُوعِ) أي الفقر ، للشغل بالجهاد ، أو فقد الزاد ، إذا كنتم في سرية تجاهدون في سبيل الله. وقد كان يتفق لهم ذلك أياما يتبلغون فيها بتمرة (وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ) أي لانقطاعهم بالجهاد عن عمارة بساتينهم ، أو لافتقاد بعضها بسبب الهجرة ، وترك شيء منه في البلدة المهاجر منها (وَالْأَنْفُسِ) بقتلها شهيدة في سبيل الله ، أو ذهاب أطرافها فيه (وَالثَّمَراتِ) أي بأن لا نغلّ الحدائق كعادتها ، للغيبة عنها في سبيل الله ، وفقد من يتعاهدها ، وخصت بالذكر لأنها أعظم أموال الأنصار الذين هم أخص الناس بهذا الذكر ، لا سيما في وقت نزول هذه الآيات. وهو أول زمان الهجرة. فكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده كما قال : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) [محمد : ٣١]. قال الراغب : هذه الآية مشتملة على محن الدنيا كلها : أي إذا نظر إلى عموم كل فرد مما ذكر فيها ، وقطع النظر عن خصوص حال المخاطبين فيها ، بما يدل عليه سابقه.
ثم بيّن تعالى ما للصابرين عنده بقوله (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) مكروه ، اسم فاعل من أصابته شدة : لحقته. أي كهذه البلايا (قالُوا إِنَّا لِلَّهِ) أي ملكا وخلقا ، فلا ينبغي أن نخاف غيره ، لأنه غالب على الكل. أو نبالي بالجوع ، لأن رزق العبد على سيده ، فإن منع وقتا ، فلا بد أن يعود إليه. وأموالنا وأنفسنا وثمراتنا ملك له ، فله أن يتصرف فيها بما يشاء (وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) في الدار الآخرة. فيحصل لنا عنده ما فوّته علينا. لأنه لا يضيع أجر المحسنين. فالمصاب يهون عليه خطبه ، إذا تسلّى بقوله هذا ، وتصور ما خلق له ، وأنه رجع إلى ربه ، وتذكر نعم الله عليه. ورأى أن ما أبقى عليه أضعاف ما أسترده منه. قال الراغب : وليس يريد بالقول اللفظ فقط ، فإن التلفظ بذلك مع الجزع القبيح وتسخط القضاء ليس يغني شيئا. وإنما يريد تصور ما خلق الإنسان لأجله والقصد له ، والاستهانة بما يعرض في طريق الوصول إليه. فأمر تعالى ببشارة من اكتسب العلوم الحقيقية وتصورها وقصد هذا المقصد ووطن نفسه عليه.
(ثم قال) إن قيل : ولم قلت : إن الأمر بالصبر يقتضي العلم؟ قيل : الصبر في الحقيقة إنما يكون لمن عرف فضيلة مطلوبه.
القول في تأويل قوله تعالى :
(أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)(١٥٧)
(أُولئِكَ) إشارة إلى الصابرين باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت (عَلَيْهِمْ
![تفسير القاسمي [ ج ١ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3902_tafsir-alqasimi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
