[٨٠٣] قال أبو بكر بن عياش : سمعت أبا حصين يقول : ما ولد بعد النبيّين مولود أفضل من أبي بكر رضي الله عنه ، لقد قام مقام نبيّ من الأنبياء في قتال أهل الردّة ، وكان قد ارتدّ في حياة النبيّ صلىاللهعليهوسلم ثلاث فرق.
منهم : بنو مدلج ورئيسهم ذو الخمار عيهلة بن كعب العنسي ، ويلقب بالأسود ، وكان كاهنا مشعبذا فتنبأ باليمن واستولى على بلادها ، فكتب رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين ، وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسّك بدينهم ، وعلى النهوض إلى حرب الأسود ، فقتله فيروز الديلمي على فراشه ، قال ابن عمر رضي الله عنه : فأتى الخبر النبيّ صلىاللهعليهوسلم من السماء الليلة التي قتل فيها ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «قتل الأسود البارحة قتله رجل مبارك» ، قيل : ومن هو؟ قال : «فيروز» ، فبشّر النبيّ صلىاللهعليهوسلم أصحابه بهلاك الأسود ، وقبض صلىاللهعليهوسلم من الغد ؛ وأتى خبر مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الأول بعد ما خرج أسامة وكان ذلك أول فتح ، جاء أبو بكر رضي الله عنه.
والفرقة الثانية : بنو حنيفة باليمامة ورئيسهم مسيلمة الكذاب ، وكان قد تنبأ في حياة رسول الله صلىاللهعليهوسلم في آخر سنة عشر ، وزعم أنه أشرك مع محمد صلىاللهعليهوسلم في النبوّة ، وكتب إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ، أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك ، وبعث [بذلك](١) إليه مع رجلين من أصحابه ، فقال لهما رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «لو لا أنّ الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما (١)» ، ثم أجاب : «من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب ، أمّا بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ، والعاقبة للمتقين» ، ومرض رسول الله صلىاللهعليهوسلم وتوفي ، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب في جيش كثير حتى أهلكه الله على يدي وحشي ، غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة بن عبد المطلب ، بعد حرب شديد ، وكان وحشي يقول : قتلت خير الناس في الجاهلية وشرّ الناس في الإسلام.
والفرقة الثالثة (٢) : بنو أسد ورئيسهم طليحة بن خويلد ، وكان طليحة آخر من ارتد ، وادّعى النبوّة في حياة النبيّ صلىاللهعليهوسلم ، وأوّل من قوتل بعد وفاة النبيّ صلىاللهعليهوسلم من أهل الردّة ، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد فهزمهم خالد بعد قتال شديد ، وأفلت طليحة فمرّ على وجهه هاربا نحو الشام ، ثم إنه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه.
وارتدّ بعد وفاة النبيّ صلىاللهعليهوسلم في خلافة أبي بكر رضي الله عنه خلق كثير ، حتى كفى الله المسلمين أمرهم ونصر دينه على يدي أبي بكر رضي الله عنه ، قالت عائشة : «توفي رسول الله صلىاللهعليهوسلم وارتدت العرب واشرأبّ النفاق ، ونزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها» (٣).
__________________
[٨٠٣] ـ هذا مرسل ولبعضه شواهد.
فقد ورد في «الطبقات» لابن سعد (٦ / ٦٣) فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «قتله الرجل الصالح فيروز بن الديلمي».
وجاء في «الإصابة» (٣ / ٢١٠) (٧٠١٠) لابن حجر : وأخرج سيف في «الفتوح» من طريق ابن عمر «أن النبي صلىاللهعليهوسلم بشّرهم بقتل الأسود العنسي قبل أن يموت ، وقال لهم : «قتله فيروز الديلمي».
وانظر «دلائل النبوة» للبيهقي (٥ / ٣٣٤ ، ٣٣٦ و ٣٣٠ ، ٣٣١) و «الكاف الشاف» (١ / ٦٤٤ ، ٦٤٥).
(١) زيادة عن المخطوط.
(٢) انظر ما يأتي عن رقم ٨٨٢ «سورة الأنعام» آية : ٩٣.
(٣) وقع في الأصل «الثانية» والتصويب من ط.
(٤) أثر عائشة ذكره ابن هشام في «السيرة» (٤ / ٢٣٥) بنحوه.
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
