(وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤))
(وَ ، حينئذ (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا) ، قرأ أهل الكوفة : (وَيَقُولُ) ، بالواو والرفع على الاستئناف وقرأ أهل البصرة بالواو ونصب اللام عطفا على (أَنْ يَأْتِيَ) ، أي : وعسى أن يقول الذين آمنوا ، وقرأ الآخرون بحذف الواو ورفع اللام ، وكذلك هو في مصاحف أهل العالية (١) ، استغناء عن حرف العطف لملابسة هذه الآية بما قبلها ، يعني : يقول الذين آمنوا في وقت إظهار الله تعالى نفاق المنافقين ، (أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ) ، حلفوا بالله ، (جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) ، أي : حلفوا بأغلظ الأيمان ، (إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ) ، أي : إنهم لمؤمنون ، يريد أن المؤمنين حينئذ يتعجبون من كذبهم وحلفهم بالباطل. قال الله تعالى : (حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) ، بطل كل خير عملوه ، (فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ) ، خسروا الدنيا بافتضاحهم ، والآخرة بالعذاب وفوات الثواب.
قوله عزوجل : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) ، قرأ أهل المدينة والشام يرتدد بدالين على إظهار التضعيف (عَنْ دِينِهِ) ، فيرجع إلى الكفر ، قال الحسن : علم الله تبارك وتعالى أن قوما يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيّهم صلىاللهعليهوسلم فأخبر أنه سيأتي بقوم يحبهم الله ويحبونه ، واختلفوا في أولئك القوم من هم؟ قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وقتادة : هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومانعي الزكاة (١).
[٨٠٢] وذلك أن النبيّ صلىاللهعليهوسلم لما قبض ارتدّ عامة العرب إلا أهل مكة والمدينة والبحرين من عبد القيس ، ومنع بعضهم الزكاة ، وهمّ أبو بكر رضي الله عنه بقتالهم فكره ذلك أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوسلم ، وقال عمر رضي الله عنه : كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّا الله فمن [قالها فقد](٢) عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عزوجل»؟ فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم لقاتلتهم على منعها.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه : كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة ، وقالوا : أهل القبلة ، فتقلّد أبو بكر سيفه وخرج وحده ، فلم يجدوا بدّا من الخروج على أثره ، قال ابن مسعود : كرهنا ذلك في الابتداء ثم حمدناه عليه في الانتهاء.
__________________
(١) انظر «تفسير الطبرى» ١٢١٨٤ و ١٢١٨٨ و ١٢١٩٠ و ١٢٢٠٦.
[٨٠٢] ـ أخرجه الطبري ١٢١٩٠ عن قتادة مرسلا دون اللفظ المرفوع منه وانظر «دلائل النبوة» للبيهقي (٦ / ٣٦٢).
وأصله أخرجه البخاري ١٣٩٩ و ١٤٥٦ و ٧٢٨٤ و ٧٢٨٥ ومسلم ٢٠ وأبو داود ١٥٥٦ والترمذي ٢٦٠٧ والنسائي (٥ / ١٤) و (٧ / ٧٧) وعبد الرزاق (٨ / ١٨٧) وأحمد (٢ / ٥٢٨) وابن حبان ٢١٦ و ٢١٧ والبيهقي (٧ / ٤) و (٨ / ١٧٦) و (٩ / ١٨٢) من طرق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة مرفوعا.
ويأتي في «سورة التوبة» آية : ١١.
__________________
(١) كذا في المطبوع والمخطوطين وط ، وفي نسخة «الشام».
(٢) في المطبوع وحده «قال لا إله إلا الله».
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
