يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦))
قوله تعالى : (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ) ، وذلك أن يعقوب عليهالسلام لمّا بلغه خبر بنيامين تناهى (١) حزنه وبلغ جهده ، وهيج حزنه على يوسف فأعرض عنهم ، (وَقالَ يا أَسَفى) ، يا حزناه ، (عَلى يُوسُفَ) ، والأسف أشدّ الحزن ، (وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ) ، يعني : عمي بصره. قال مقاتل : لم يبصر بهما ست سنين ، (فَهُوَ كَظِيمٌ) ، أي : مكظوم مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبثه. قال قتادة : تردّد حزنه في جوفه ولم يقل إلّا خيرا. وقال الحسن : كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقى معه ثمانون عاما لا تجف عينا يعقوب وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب [عليه الصّلاة والسّلام].
(قالُوا) ، يعني : أولاد يعقوب ، (تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ) ، أي : لا تزال تذكر يوسف ، لا تفتر من حبه ، يقال : ما فتئ يفعل كذا ، أي : ما زال يفعل ، و (لا) محذوفة من قوله : (تَفْتَؤُا) ، يقال : ما فتئ يفعل كذا ، أي : ما زال ؛ كقول امرئ القيس :
|
فقلت يمين الله أبرح قاعدا |
|
ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي |
أي : لا أبرح. (حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً) ، قال ابن عباس : دفنا. قال مجاهد : الحرض ما دون الموت ، يعني : قريبا من الموت. وقال ابن إسحاق : فاسدا لا عقل لك ، والحرض : الذي فسد جسمه وعقله. وقيل : ذائبا من الهمّ. ومعنى الآية : حتى تكون دنف الجسم مخبول العقل. وأصل الحرض : الفساد في الجسم ، والعقل من الحزن والهرم ، أو العشق أو الهمّ ، يقال : رجل حرض وامرأة حرض ، ورجلان وامرأتان حرض ، ورجال ونساء كذلك ، يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكّر والمؤنث ، لأنه مصدر وضع موضع [الحال و](٢) الاسم. (أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ) ، أي : من الميّتين.
(قالَ) يعقوب عليهالسلام عند ذلك لما رأى غلظتهم : (إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ) ، والبث أشدّ الحزن ، سمّي بذلك لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثّه (٣) أي يظهره ، وقال الحسن : بثي أي : حاجتي. وروي أنه دخل على يعقوب جار له فقال [له](٤) : يا يعقوب ما الذي غيّر حالك ما لي أراك قد تهشّمت وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك؟ قال : هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من همّ يوسف ، فأوحى الله إليه : يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟ فقال : يا ربّ خطيئة أخطأتها فاغفرها لي ، فقال : قد غفرتها لك ، فكان بعد ذلك إذا سئل قال : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، وروي أنه قيل له : يا يعقوب ما الذي أذهب بصرك وقوّس (٥) ظهرك؟ فقال : أذهب بصري بكائي (٦) على يوسف ، وقوّس (٧) ظهري حزني على أخيه؟ فأوحى الله إليه : أتشكوني فو عزّتي (٨) وجلالي لا أكشف ما بك حتى تدعوني ، فعند ذلك قال : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، فأوحى الله إليه : وعزتي وجلالي لو كانا ميّتين لأخرجتهما لك ، وإنّما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه منها شيء ، وإن أحب خلقي إليّ الأنبياء ، ثم المساكين فاصنع طعاما وادع إليه المساكين ، فصنع طعاما ثم قال : من كان صائما فليفطر الليلة
__________________
(١) في المخطوط «فقام» وفي ط «تتام».
(٢) زيادة عن المخطوط.
(٣) في المطبوع «يثبته» والمثبت عن المخطوط.
(٤) زيادة عن المخطوط.
(٥) في المخطوط «أحنى».
(٦) في المخطوط «حزني».
(٧) في المخطوط «وأقوص».
(٨) في المخطوط «وعزتي».
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
