توبته على النبيّ صلىاللهعليهوسلم بإذنه للمنافقين بالتخلّف عنه. وقيل : افتتح الكلام به لأنه كان سبب توبتهم ، فذكره معهم ؛ كقوله تعالى : (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) [الأنفال : ٤١] ، ونحوه. (وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ) ، أي : في وقت العسرة ، ولم يرد ساعة بعينها ، وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة ، والجيش يسمّى جيش العسرة ، والعسرة الشدّة ، وكانت عليهم عسرة في الظّهر والزاد والماء.
قال الحسن : كان العشرة منهم يخرجون على بعير واحد يعتقبونه يركب الرجل ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك ، وكان زادهم التمر المسوس والشعير المتغيّر ، وكان النفر منهم يخرجون ما معهم إلّا التمرات بينهم فإذا بلغ الجوع من أحدهم [مبلغه](١) أخذ التمرة فلاكها [في فمه](٢) حتى يجد طعمها ثم يعطيها لصاحبه فيمصها ، ثم يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى يأتي على آخرهم ، ولا يبقى من التمرة إلا النّواة ، فمضوا مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم على صدقهم ويقينهم [ففازوا بالجنّة ونعيمها](٣).
[١١٣٣] وقال عمر بن الخطاب : خرجنا مع النبيّ صلىاللهعليهوسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس (٤) الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده ، فقال أبو بكر الصديق : يا رسول الله إن الله قد عوّدك في الدعاء خيرا فادع الله ، قال : «أتحبّ ذلك»؟ قال : نعم ، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت (٥) السماء فأظلّت ثم سكبت ، فملئوا ما معهم من القرب ، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.
(مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ) ، قرأ حمزة وحفص : (يَزِيغُ) ، بالياء ؛ لقوله : (كادَ) ، ولم يقل : كادت. وقرأ الآخرون بالتاء. والزيغ : الميل ، أي : من بعد ما كادت تميل ، (قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) ، أي : قلوب بعضهم ، ولم يرد الميل عن الدين بل أراد الميل إلى التخلّف والانصراف للشّدّة التي عليهم. قال الكلبي : همّ ناس [هموا](٦) بالتخلف ثم لحقوه. (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) ، فإن قيل : كيف أعاد ذكر التوبة وقد قال في أول الآية : (لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِ)؟ قيل : ذكر التوبة في أول الآية قبل ذكر الذنب ، وهو محض الفضل من الله عزوجل ، فلما ذكر الذنب أعاد ذكر التوبة ، والمراد منه قبولها. (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) ، قال ابن عباس : من تاب الله عليه لم يعذّبه أبدا.
(وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨))
قوله عزوجل : (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) ، أي : خلّفوا عن غزوة تبوك. وقيل : خلّفوا أي : أرجئ أمرهم ، عن توبة أبي لبابة وأصحابه ، وهؤلاء الثلاثة هم كعب بن مالك الشاعر ومرارة بن الربيع
__________________
[١١٣٣] ـ أخرجه ابن خزيمة (١ / ٥٢) والحاكم (١ / ١٥٩) وابن حبان ١٣٨٣ والبزار ١٨٤١ «كشف» من حديث ابن عمر ، وصححه الحاكم على شرطهما ، ووافقه الذهبي ، والصواب أنه على شرط مسلم وحده ، حرملة بن يحيى تفرد عنه مسلم.
__________________
(١) زيادة عن المخطوط.
(٢) زيادة عن المخطوط.
(٣) زيادة عن المخطوط.
(٤) في المطبوع «فيلتمس» والمثبت عن المخطوط.
(٥) في المطبوع «أفلت» وفي المخطوط «قلت» والمثبت عن «تفسير الطبري».
(٦) زيادة عن المخطوط.
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
